اتصلت على ابنى

لمحة نيوز

نزلت الشنطة من إيدها بهدوء… وقالت: — أنا مش زعلانة إن أمك طلبت… الزعل الحقيقي إنك وافقت من غير ما تحس بيا.
شد إيدها وباسها: — أوعدك… عمري ما هخلي حد يظلمك حتى لو كانت أقرب الناس ليا.
وفي اليوم التاني…
الابن راح لوحده عند أمه، شمر هدومه، ونضف الشقة كلها بنفسه، وغسل السجاجيد وهو بيتعب وعرقه نازل.
ولأول مرة… حس قد إيه الطلب اللي اتطلب من مراته كان قاسي.
أما الأم… فكانت واقفة من بعيد تبصله، وقلبها بيتوجع… لأنها فهمت متأخر إن الحب مش سيطرة، وإن ابنها لما احترم مراته، ده ماكنش عقوق ليها… ده كان بيحاول يبقى عادل.الأم فضلت واقفة تراقبه وهو بينضف… كل شوية يقف يفرد ضهره من التعب، أو يعصر السجادة بصعوبة وهو نفسه مقطوع.
ولأول مرة، شافت بعينيها قد إيه الشغل اللي كانت شايفاه “بسيط” طالع الروح.
قربت منه وقالت بنبرة أخف: — سيبها يا ابني… هات حد يعملها.
ابتسم بتعب وهو بيكمل: — ما هو ده اللي قولتهولك يا أمي من الأول… بس إنتِ زعلتي.
الكلمة خبطتها في قلبها.
سكتت شوية… وبعدين قالت وهي بتحاول تبرر: — أنا بس كنت عايزة أحس إن لسه ليا قيمة عندكم… إن مراتك تشيلني زي ما كنت بشيل حماتي زمان.
وقف يبصلها، وإيده كلها مية وصابون: — بس الزمن اتغير يا أمي… الستات دلوقتي بتشتغل وتتعب بره وجوه البيت.
ومراتي عمرها ما قصرت معاكي، ليه نختبر محبتها بالطريقة دي؟
الأم نزلت عينيها في الأرض.
الحقيقة إنها من يوم ما ابنها اتجوز وهي جواها خوف صغير بيكبر كل يوم… خوف إنه يبعد عنها، يحب مراته أكتر، يبقى بيحكيلها هي كل حاجة بدلها.
فكانت كل شوية تطلب طلبات صعبة… مش عشان محتاجة فعلًا، لكن عشان تتأكد إنها لسه رقم واحد في حياته.
لكن وهي شايفاه بيتعب بالشكل
ده… افتكرت حاجة وجعتها.
افتكرت نفسها من سنين… لما كانت راجعة مهدودة من شغل الخياطة، وحماتها كانت تستناها بطلبات ما تخلصش، وجوزها وقتها كان يقولها: — “استحملي دي أمي.”
يومها نامت وهي بتعيط من القهر… ووعدت نفسها إنها عمرها ما هتعمل كدة مع مرات ابنها.
لكنها كررت نفس الوجع من غير ما تحس.
دمعتها نزلت فجأة.
ابنها اتفاجئ: — مالك يا أمي؟
قالت بصوت مكسور: — ظلمتها… صح؟
بصلها بحنان وقال: — إنتِ مش وحشة يا أمي… بس كنتِ زعلانة وخايفة تخسريني.
قعدت على الكرسي ومسحت دموعها: — روح هاتها وتعالوا اتغدوا معايا… بس المرة دي أنا اللي هطبخ.
ضحك لأول مرة من الصبح.
وبالليل…
كانوا قاعدين على السفرة في هدوء غريب.
الحماة قامت فجأة، وحطت طبق الأكل قدام مرات ابنها بنفسها.
وقالت بصوت واطي: — حقك عليا يا بنتي… أنا اتنرفزت واتكلمت غلط.
البنت اتصدمت، لأنها عمرها ما سمعتها تعتذر قبل كدة.
كملت الأم وهي دموعها محبوسة: — أنا نسيت إنك إنسانة بتتعبي… مش آلة. سامحيني.
مرات الابن حست بغصة في قلبها، وقامت حضنتها بهدوء: — ولا يهمك يا ماما… إنتِ زي أمي.
الابن بص لهم وهو ساكت… وحس إن البيت أخيرًا بقى أهدى.
وفهم إن الرجولة مش إنك ترضي طرف على حساب طرف…
الرجولة إنك تكون عادل… حتى لو ده أصعب قرار.عدّى أسبوع، والعلاقة بينهم بقت أهدى شوية…
الحماة بقت تحاول تخفف طلباتها، ومرات الابن بقت تزورها من وقت للتاني من غير ما تحس إنها داخلة امتحان.
لكن في يوم…
الأم صحيت الفجر على دوخة شديدة، وحاولت تقوم تجيب مية، رجليها خانتها ووقعت على الأرض.
فضلت تنادي بصوت ضعيف: — يا ساتر يا رب… حد يلحقني…
محدش سمعها.
مسكت تليفونها بإيد بتترعش، واتصلت بابنها وهي بتبكي.
الابن
أول ما سمع صوتها، اتخض: — مالك يا أمي؟!
قالت بالعافية: — وقعت… ومش قادرة أقوم.
خلال ربع ساعة كان هو ومراته عندها.
الابن جري شال أمه، لكن اللي فاجأها فعلًا… إن مرات ابنها هي اللي نزلت على ركبتها بسرعة، وقعدت تطمن عليها وتمسحلها وشها بالمية.
وقالت بخوف حقيقي: — اهدي يا ماما… إحنا جنبك.
الأم كانت باصة لها ومش مستوعبة.
دي نفس البنت اللي كانت من أسبوع بتضغط عليها وتعتبرها “مقصرة”.
وصلوا المستشفى، والدكتور قال إنها عندها هبوط وإرهاق شديد، ولازم حد يفضل معاها كام يوم.
الأم بصت لابنها بخجل: — أنا هبقى تقيلة عليكم…
لكن قبل ما ابنها يرد، مراته قالت فورًا: — تقيلة إيه بس يا ماما؟ إنتِ هتيجي تقعدي عندنا لحد ما تبقي كويسة.
الأم دموعها لمعت.
وفي بيت ابنها…
مرات الابن كانت تصحى تحضرلها الفطار، وتديها الدوا في معاده، وحتى تساعدها تقوم تمشي شوية.
وفي مرة، الأم صحيت بالليل عطشانة… لقت مرات ابنها نايمة على الكنبة جنب أوضتها.
همست باستغراب: — إنتِ منمتيش في أوضتك ليه؟
قالت وهي مفزوعة تقوم: — خفت تحتاجي حاجة بالليل.
الأم سكتت… وحست بحاجة بتكسر جواها.
قالت بصوت مخنوق: — وأنا اللي كنت فاكرة إنك بتكرهي تخدمي حد.
ابتسمت البنت بحزن: — الخدمة اللي فيها حب مبتتعبش يا ماما…
بس الإنسان بيتكسر لما يحس إن اللي قدامه شايفه واجب مش بني آدم.
الكلمة دخلت قلب الأم زي السكينة.
مدت إيدها لأول مرة وربتت على إيد مرات ابنها: — سامحيني يا بنتي… أنا خوفي من الوحدة كان معميني.
مرات الابن حضنت إيدها بحنان: — وإحنا مش هنسيبك لوحدك أبدًا.
عندها الأم انفجرت في العياط…
عياط سنين من الخوف، والغيرة، والإحساس إنها بتكبر وبتفقد مكانتها واحدة واحدة.
وابنها
كان واقف على الباب، سامع كل حاجة…
وعرف إن أقسى الحروب في البيوت مش بتكون بسبب الكره…
لكن بسبب الاحتياج اللي الناس مبتعرفش تعبّر عنه صح.بعد شهر تقريبًا…
الأم صحتها اتحسنت جدًا، وبقت تقدر تتحرك وتعمل حاجتها بنفسها.
وفي يوم الجمعة، كانت السفرة متجمعة لأول مرة من زمان من غير خناق ولا نكد.
ولادها كلهم جم، والضحك مالي البيت.
وفجأة الأم قامت من مكانها، ودخلت أوضتها، ورجعت شايلة صندوق خشب قديم.
حطته قدام مرات ابنها وقالت: — الصندوق ده كان بتاعي وأنا عروسة… وفيه دهبي وحاجات عمري ما كنت ناوية أطلعها لحد.
الكل بص لها باستغراب.
فتحت الصندوق، وطلعت منه غوايش وسلسلة قديمة، وحطتهم في إيد مرات ابنها.
البنت اتصدمت: — لا يا ماما، مينفعش!
لكن الأم ابتسمت لأول مرة براحة حقيقية: — ينفع… لأنك طلعتي بنت أصول.
إنتِ خدمتي قلبي قبل ما تخدميني أنا.
دموع مرات الابن نزلت، وباست إيدها بسرعة: — كفاية رضاكي عليا.
الأم مسكت وشها بإيديها وقالت: — وأنا راضية… وعرفت متأخر إن المحبة مبتتاخدش بالعافية ولا بالذنب.
اللي يحبك بجد… هيشيلك من قلبه، مش بالخناق والضغط.
ابنها كان واقف ساكت، وعينه دمعت.
قرب من أمه وباس راسها: — متزعليش نفسك تاني يا ست الكل.
ضحكت وهي تمسح دموعها: — خلاص… بطلت أخاف أخسرك.
الابن اللي ربيته صح عمره ما ينسى أمه… والراجل اللي يحفظ مراته ويعدل معاها، ده راجل اتربى فعلًا.
وفي آخر اليوم…
مرات الابن كانت بتساعدها تدخل أوضتها، فالأم همست لها وهي مبتسمة: — تصدقي؟
أنا دلوقتي بقيت مستنية تيجي… مش عشان تنظفيلي الشقة.
سألتها وهي بتضحك: — أمال عشان إيه؟
قالت بحنان: — عشان البيت من غيرك بقى فاضي.
وقتها البنت، والاتنين عيطوا…
بس المرة
دي، ماكنش عياط قهر.
كان عياط ناس أخيرًا فهموا بعض… قبل ما العمر يسرق منهم الفرصة.

تم نسخ الرابط