طلبت من اختي
طويلة.
وبعدين قالت
أنا مش فاكرة إني كنت موجودة أصلاً.
الجملة دي كانت أقسى من أي عتاب.
سكون.
ميرنا حسّت إن الأرض اللي تحتها اتسحبت.
لكن بدل ما تنهار، عملت حاجة مختلفة.
قربت أكتر.
وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير.
من غير ما تطلب إذن.
من غير ما تفرض نفسها.
طيب خلينا نبدأ من الأول.
جنى رفعت حاجبها
أول إيه؟
ميرنا بصّت في عينيها
أنا هحكيلك كل حاجة مش عشان ترجعي تفتكريني بسرعة لكن عشان تفهمي مين كنتي ومين أنا كنت.
جنى ما ردتش.
بس ما قالتش اخرجي.
وده كان كفاية.
مرّت أيام.
ميرنا كانت بتيجي كل يوم.
مش بفلوس ولا هدايا ولا طلبات.
كانت بتيجي بكلام.
تحكي.
وتعترف.
وتسكت لما جنى تتلخبط أو تتوتر.
وفي كل مرة
كان فيه حاجة صغيرة بتتغير.
نظرة.
إيماءة.
سؤال زيادة.
وفي يوم
جنى فجأة قالت
إنتي
ميرنا اتجمدت.
السؤال جه كأنه سهم من الذاكرة اللي لسه مش راجعة.
كنت آه.
جنى بصّت لها
ليه؟
ميرنا ابتسمت ابتسامة حزينة
عشان كنتي بتدفعيني أعيش حياة أنا ما استاهلهاش.
سكتت لحظة.
وبعدين كملت
وأنا بدل ما أشكرك كنت بكسرِك.
جنى بصّت للسقف.
كأنها بتحاول تجمع صورة مش موجودة.
أنا مش فاكرة إني كنت طيبة.
ميرنا هزت راسها بسرعة
كنتِ أكتر حد طيب أنا عرفته لدرجة خوفتني.
في اللحظة دي
جنى مسكت طرف الغطا.
وبصوت واطي قالت
يمكن لو رجعت أفتكر، أكرهك.
ميرنا غمضت عينيها.
لكن ردّت بهدوء
وأنا هفضل هنا حتى لو ده حصل.
الصمت اللي بعدها ماكنش ثقيل.
كان جديد.
زي بداية حاجة لسه ما اتكتبتش.
وبرا الشباك
الشمس كانت داخلة على أوضة المستشفى لأول مرة بشكل مختلف.
كأنها بتقول
الذاكرة
بس الحقيقة بتعرف طريقها دايمًا للرجوع بعد أسابيع قليلة، بدأت حالة جنى تستقر.
الذاكرة ما رجعتش كاملة لكنها بدأت ترجع بشكل متقطع.
أحيانًا تفتكر اسمها أحيانًا تفتكر إحساسها بالوجع وأحيانًا تفتكر ولا حاجة خالص.
لكن حاجة واحدة كانت ثابتة
ميرنا.
مش كاسم واضح لكن كإحساس بالأمان الغريب اللي بقى موجود لما بتدخل الغرفة.
في يوم، الدكاترة قالوا إن حالتها تسمح بالخروج.
الممرضة ساعدتها تلبس هدوم بسيطة.
ولما خرجت من المستشفى
كانت واقفة لحظة قدام الباب.
كأنها بتشوف حياة كاملة وراها بس مش قادرة تمسك منها حاجة.
ميرنا كانت مستنياها برا.
من غير مكياج مبالغ فيه، من غير صوت عالي، ومن غير تليفون في إيدها.
بس واقفة بس.
هنروح فين؟ سألت جنى بهدوء.
ميرنا اتنهدت
لو تحبي شقة بسيطة نبدأ
جنى بصّت لها.
شقة مين؟
ميرنا ابتسمت بسخرية حزينة
مش بتاعتي لوحدي ولا بتاعتك لوحدك خلينا نقول إنها أول مرة تبقى بتاعتنا إحنا الاتنين من غير حسابات.
جنى سكتت.
وبعدين هزّت راسها.
مرّت شهور.
الحسابات القديمة اتقفلت.
الشقة القديمة اتباعت.
والديون اتسددت بصعوبة.
لكن حاجة جديدة اتبنت بهدوء
حدود.
احترام.
وصمت مريح بين أختين كانوا فاكرين إنهم بيكرهوا بعض لكن طلعوا بس تايهين.
في ليلة هادية
جنى كانت قاعدة على الكنبة في الشقة الجديدة.
بصت لميرنا وقالت فجأة
أنا مش فاكرة كل حاجة بس فاكرة إني كنت تعبانة جدًا.
ميرنا هزّت راسها
وإنتي دلوقتي؟
جنى سكتت لحظة.
وبعدين قالت
أخف.
ميرنا ابتسمت لأول مرة بصدق.
بره الشباك
المدينة كانت شغالة زي ما هي.
لكن جوه البيت ده
ماكانش فيه حد
ولا حد بيدفع تمن حد.
كان فيه بس فرصه تانية.
وجنى لأول مرة من سنين
نامت من غير ما تحس إنها لوحدها.