كنت مسافره اصيف فى الشاليه
الفلوس ممكن ترفع مستوى الإنسان…
لكن الأخلاق بس هي اللي ترفع قيمته.بعد ما رجعنا من السفر، كنت فاكرة إن الموضوع انتهى عند كلمة "سامحيني" وإن شوية اهتمام مني هيصلحوا كل اللي اتكسر…
بس الحقيقة إن في حاجات لما تتجرح، بتفضل سايبة علامة حتى لو سامحت.
أختي بقت ترد على تليفوناتي بهدوء رسمي غريب.
لا بقت تحكيلي تفاصيل يومها، ولا تبعتلي صور البنات زي زمان.
ولأول مرة في حياتي… حسيت إني خسرتها فعلًا.
كنت كل ما أروح بيتها ألاقيها مبتسمة، بس الابتسامة دي فيها حاجز.
حاجز أنا اللي بنيته بإيديا.
وفي يوم، كنت عندها وبناتها قاعدين بيذاكروا، فسمعت الصغيرة بتقول لأختها: — هو إحنا هنروح نصيف مع طنط مروة تاني؟
أختها الكبيرة ردت بسرعة: — لا طبعًا… إحنا كنا رايحين نشتغل مش نصيف.
الجملة نزلت عليا زي السكينة.
أختي سكتت، وبصت في الأرض بإحراج، وأنا لأول مرة ماعرفتش أرد.
رجعت بيتي يومها وفضلت أعيط ساعات.
مش عياط ندم بس…
عياط صدمة في نفسي.
إزاي وصلت للدرجة دي؟
إزاي الفلوس خلتني أشوف أقرب الناس ليا كأنهم أقل مني؟
ومن بعدها بدأت أحاول أصلّح اللي أقدر عليه بالفعل، مش بالكلام.
بقيت أزورهم من غير مناسبات.
أجيب للبنات هدايا من غير استعراض.
وأول ما أختي تدخل المطبخ عندي، أقوم أنا قبلها.
هي كانت مستغربة جدًا من تغيّري، ومرات كنت بحس إنها فاكرة إني بمثل… وده كان حقها.
لحد ما جه يوم قلب كل حاجة.
كنت في النادي مع شوية صاحباتي، وواحدة منهم بدأت تتريق على قريبتها الغلبانة وقالت: — أهو بنستفيد منهم في المواسم، بدل ما نجيب شغالات بفلوس!
الكل ضحك…
إلا أنا.
فجأة شفت نفسي القديمة
شفت القسوة، والاستعلاء، والأنانية اللي كنت فاكرة إنها شطارة.
قمت وقفت قدامهم وقلت: — اللي يستغل أهله عشان الفلوس يبقى أفقر واحد في الدنيا… حتى لو معاه ملايين.
الصحاب سكتوا من الصدمة.
ولأول مرة، ماكنتش بخجل من الاعتراف بغلطتي.
بعدها بأسبوع، عملت حاجة أختي عمرها ما توقعتها.
حجزت شاليه تاني في نفس المكان…
لكن المرة دي، ليها هي وبناتها لوحدهم.
ولما رفضت في الأول وقالت إنها مش عايزة تتعب حد، مسكت إيديها وقلت: — المرة دي هتروحي ضيفة… وهتعرفي يعني إيه حد يحب يريحك بجد.
عينيها دمعت.
وفي آخر يوم قبل سفرهم، بنتها الصغيرة جريت حضنتني وقالت: — المرة دي ماما كانت مبسوطة أوي… وكانت بتضحك بجد.
حضنتها وأنا حاسة إن ربنا اداني فرصة تانية أصلح بيها نفسي قبل ما أخسر أختي للأبد.
ومن يومها فهمت حاجة مهمة جدًا:
أقسى أنواع الفقر…
إن الإنسان يبقى معاه فلوس كتير، لكن قلبه يبقى بخيل على أقرب الناس ليه.عدّت شهور، والعلاقة بيني وبين أختي بدأت ترجع واحدة واحدة…
مش زي الأول تمامًا، لكن على الأقل بقينا بنضحك من قلبنا تاني.
وفي يوم، جوزي رجع من الشغل متوتر جدًا.
الشركة اللي شغال فيها دخلت في أزمة كبيرة، وفي أقل من شهر خسر جزء ضخم من شغله، واضطر يبيع العربية الجديدة ويأجل أقساط حاجات كتير.
ولأول مرة من سنين… حسيت بالخوف الحقيقي.
المصاريف بقت تقيلة، وأنا اتعودت على مستوى معين من الرفاهية.
بقيت أوفر في كل حاجة، حتى السفر للسخنة اتلغى.
وفي عز الظروف دي، تعب ابني الصغير فجأة، والدكتور طلب تحاليل وأشعة ومصاريف علاج كبيرة.
كنت قاعدة في المستشفى، ماسكة التليفون
وفجأة…
لقيت أختي داخلة عليا.
في إيديها كيس أكل، وفي الإيد التانية ظرف.
قولتلها باستغراب: — إيه ده؟
قالت بهدوء: — المبلغ اللي محتاجينه للعلاج.
اتصدمت وقلت بسرعة: — لا لا، مستحيل آخده منك.
ابتسمت وقالت: — زمان لما بابا مات، كنتِ صغيرة وأنا اللي كنت بشيلك. النهارده دورك تتسندي عليا شوية… والأخت وقت الشدة مش بتتفرج.
الدموع نزلت من عيني غصب عني.
أنا…
أنا اللي استخدمتها وخليتها خدامة…
هي نفسها اللي واقفة جنبي في أصعب وقت.
قولتلها بصوت متقطع: — بعد كل اللي عملته فيكي؟
ردت وهي بتربت على إيدي: — لو فضلت أحاسبك على غلطك، هخسرك. وأنا ماليش غيرك.
الكلمة كسرت آخر حتة غرور جوايا.
بعدها بأيام، بدأت أبيع دهبي عشان نعدي الأزمة، لكن أختي كانت كل شوية تبعت أكل للبيت، أو تيجي تقعد مع الولاد، أو تساعدني من غير ما تحسسني إني ناقصة.
وفي مرة، وأنا بعتذرلها تاني، قالتلي جملة عمري ما نسيتها: — الإنسان مش بيبان وقت الغنى… الإنسان الحقيقي بيبان لما الدنيا تلف.
وبالفعل… الدنيا لفت.
الناس اللي كانوا بيتجمعوا حوالينا وقت الفلوس اختفوا.
الصحاب اللي كانوا يتمنظروا معانا مبقوش يسألوا حتى.
إلا أختي.
فضلت ثابتة.
ومع الوقت، جوزي قدر يقف على رجله من جديد، لكن أنا كنت اتغيرت خلاص.
بقيت أشوف النعمة بطريقة مختلفة.
ولما ربنا فتحها علينا تاني بعد سنتين، أول حاجة عملتها إني اشتريت شقة صغيرة باسم أختي وبناتها، من غير ما تعرف.
ولما عرفت، فضلت تعيط وتقول: — ليه كده؟ أنا ماعملتش حاجة تستاهل.
حضنتها وقلت: — لا… إنتِ اللي علمتيني يعني إيه أصل. وده
وفي يوم افتتاح الشقة، بنت أختي الصغيرة بصتلي وقالت بابتسامة: — دلوقتي بقى إحنا فعلاً بنصيف كعيلة… صح؟
ضحكت وسط دموعي وقلت: — أيوه يا حبيبتي… عيلة بجد.وفي ليلة هادية بعد سنين من كل اللي حصل، كنا قاعدين كلنا على بلكونة شقة أختي الجديدة.
الولاد كبروا، وبناتها بقوا في الجامعة، والدنيا أخيرًا بقت مستقرة.
أختي كانت بتحضر الشاي، فقمت بسرعة أخده منها وقلت: — اقعدي إنتِ… كفاية تعب السنين.
ضحكت وقالت: — شكلك لسه مش مسامحة نفسك.
سكت شوية، وبعدين قولتلها الحقيقة اللي عمري ما قلتها: — أنا كل ما أفتكر اللي عملته فيكي، بخجل من نفسي.
كنت فاكرة إن الفلوس تخليني أحسن من الناس… لكن الحقيقة إنها كانت بتكشفني بس.
أختي بصتلي بحنان وقالت: — كلنا بنغلط يا مروة… المهم إن الغلط مايكسرش قلبنا لدرجة مانعرفش نرجع.
في اللحظة دي، بنتها الصغيرة — اللي بقت شابة دلوقتي — جابت ألبوم صور قديم.
فضلنا نقلب فيه ونضحك على صورنا وإحنا صغيرين.
وفجأة طلعت صورة لينا زمان على البحر…
أنا وأختي ماسكين إيد بعض، لابسين فساتين بسيطة ورخيصه، لكن الضحكة في الصورة كانت صافية بشكل غريب.
بصيت للصورة طويلًا، وحسيت بغصة.
وقتها بس فهمت:
أجمل أيام العمر ماكنتش لما بقي عندي شاليه ولا فلوس ولا رفاهية…
أجمل أيام العمر كانت لما كان قلبي نضيف، ولما كنا بنحب بعض من غير حسابات.
قمت حضنت أختي بقوة، وهي حضنتني أكتر.
والولاد كانوا بيضحكوا حوالينا، ولا حد فيهم يعرف إن الحضن ده أصلح سنين كاملة من الكسر والندم.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف حد بيتكبر بفلوسه أو مركزه، أفتكر نفسي القديمة…
وأقول
"الإنسان اللي يسترخص تعب أهله… مهما غني، عمره ما يبقى غني بجد."