اشتريت لأهلى بيتا مطلا على شط العرب
اشتريت لأهلي بيتًا مطلًا على شط العرب حتى يرتاحوا أخيرًا بعد عمر كامل من التعب. لكن أختي وصلت مع زوجها وأطفالها وحقائبهم، وقالت إن البيت أصبح لهم الآن.
عندما دخلت، كان زوج أختي جالسًا في الصالة وبيده علبة عصير بارد. أمي كانت ترتجف قرب الطاولة. أبي لم ينظر نحوي. وأختي كانت تبتسم وكأنها انتصرت في حرب طويلة ضدي.
هذا البيت لم يعد لهم يا دكتور قال زوجها وهو حافي القدمين الآن صار لعائلتي.
كنت أقود السيارة قادمًا من بغداد، وما زلت أرتدي ملابس العمليات تحت الجاكيت. على كمّي آثار دم جاف، وتحت عيني سواد ليلتين من العمليات المتواصلة، وصوت أبي ما زال عالقًا في رأسي
يا ابني أختك وصلت. وتقول إنها ستبقى هنا. هل تستطيع أن تأتي؟
اسمي سامر.
عمري ثمانية وثلاثون عامًا.
أعمل جرّاح أعصاب.
ومنذ كنت صغيرًا، تعلّمت شيئًا واحدًا داخل عائلتي
كلما انكسر شيء كانوا ينظرون إليّ.
أمي كانت تخفي فواتير الكهرباء المتأخرة تحت مفرش الطاولة.
أبي يخرج قبل الفجر إلى الورشة، بيدين متشققتين وكوب شاي بارد داخل كوب بلاستيكي.
أما أختي هبة فكانت دائمًا تبكي.
هبة متعبة.
هبة تحتاج وقتًا.
هبة تمر بظروف.
وأنا أدفع.
الإيجار.
الطعام.
مدارس الأطفال.
العلاج.
ديون زوجها.
مشاريع لا وجود لها.
ووعود تنتهي دائمًا ببطاقتي البنكية.
كانوا يقولون لي
أنت تستطيع يا سامر.
نعم كنت أستطيع.
لكنني
عندما أكمل أبي وأمي خمسين سنة زواج، فعلت شيئًا خططت له بصمت سنوات طويلة.
اشتريت لهما بيتًا صغيرًا في البصرة، قريبًا من الماء.
لم يكن قصرًا.
لكن فيه شرفة بيضاء، وجدران بلون أزرق فاتح، ونخلتان نحيفتان، ونوافذ يدخل منها هواء الشط.
عندما أعطيت أمي المفتاح، ارتجفت يدها.
همست
رائحته تشبه الراحة.
أما أبي فلم يقل شيئًا.
جلس أمام الماء، وخلع قبعته، وكأنه لأول مرة في حياته لا يخاف من مطالبة أحد له بشيء.
أنا دفعت كل شيء.
الخدمات.
الصيانة.
الإصلاحات.
حتى تركت مبلغًا شهريًا كي لا يحتاجا أن يطلبا شيئًا من أحد.
عملت ثلاث نسخ من المفتاح.
واحدة لأمي.
واحدة لأبي.
وواحدة لي.
أما هبة فلم أخبرها.
ليس قسوة.
بل لأنني أتذكر جيدًا.
أختي كانت تملك قدرة غريبة على تحويل أي مساعدة إلى حق مكتسب.
وزوجها كريم رجل فمه مليء بالمشاريع، وجيوبه مليئة بالأعذار.
احتاجا أسبوعًا فقط حتى يعرفا.
ثم وصلتني رسالة أبي.
عندما أوقفت السيارة أمام البيت، رأيت سيارة كريم في مكاني.
كانت هناك ألعاب أطفال عند الباب، وأكياس سوداء في الممر، وصناديق مكدسة كأن أحدهم انتقل للسكن بالفعل.
لم يطرقوا الباب أصلًا.
كانوا داخل البيت.
خرجت أمي من المطبخ بعينين متورمتين.
سامر لقد طلبت منهم أن ينتظروا.
أبي كان جالسًا قرب الطاولة، واضعًا يديه فوق ركبتيه.
ذلك الرجل الذي حمل المحركات
ثم ظهر كريم.
من دون قميص.
ويبتسم.
جيد أنك وصلت يا دكتور حتى نتحدث بصراحة.
كانت هبة جالسة على الكنبة، تتصفح هاتفها وكأن كل شيء طبيعي.
قالت بضيق
لا تبدأ بنظراتك يا سامر. أطفالي أيضًا من حقهم أن يعيشوا هنا. هذا بيت العائلة.
نظرت إلى الصناديق.
لماذا توجد ملابسكم داخل غرفة أبي وأمي؟
ضحك كريم.
لأنهما كبيران في العمر. صعود الدرج يتعبهما. الغرفة الصغيرة في الأسفل أنسب لهما.
الغرفة الصغيرة.
الغرفة التي فيها رطوبة.
الغرفة التي كانت مخزنًا قديمًا.
أمي خفضت رأسها.
وهنا فهمت.
لم يأتوا زيارة.
جاؤوا ليُخرجوا والديّ من البيت.
قلت بهدوء ثقيل
هبة أنا اشتريت هذا البيت حتى يعيشا بسلام.
رفعت عينيها بانزعاج.
يا سامر، لا تكبّر الموضوع. أنت تملك المال. وهما وحدهما. ونحن عائلة ولدينا أطفال. ثم إن أمي قالت إنها لا تمانع.
فتحت أمي فمها، لكنها لم تستطع الكلام.
اقترب كريم خطوة.
لنُسهّل الأمر. والداك يبقيان في الغرفة الصغيرة عندما يريدان المجيء. ونحن نستخدم البيت. وأنت تستمر بالدفع مثل كل مرة. الجميع يرتاح.
نظرت إليه.
ماذا قلت؟
لا تتظاهر. تستطيع شراء غيره بسهولة. بالنسبة لك هذا البيت لا يساوي شيئًا.
ضرب أبي الطاولة بأصابعه بخفة.
كريم لا تتحدث بهذه الطريقة.
لكن كريم لم ينظر إليه حتى.
عمي، مع احترامي أنتما عشتما حياتكما. الآن
بدأت أمي تبكي بصمت.
أما هبة فتنهدت بانزعاج من دموع المرأة نفسها التي صرفت عليها نصف عمرها.
أمي، لا تبالغي. لا أحد طردك.
ثم رأيت شيئًا فوق الطاولة.
مفتاحي.
المفتاح الذي أعطيته لأمي.
وبجانبه ورقة مكتوبة بخط يدوي
توزيع الغرف.
السطر الأول
الغرفة الرئيسية هبة وكريم.
السطر الثاني
غرفة الخدمة الجد والجدة.
شعرت أن العالم أصبح بلا صوت.
شرب كريم رشفة باردة وأشار نحو الشرفة.
وهذه النخلات يجب أن نزيلها. تضيق المكان. أريد أن أضع بركة صغيرة للأطفال.
النخلتان.
النخلتان اللتان كان أبي يسقيهما كل مساء.
أمي نظرت إليّ أخيرًا.
لم يكن في عينيها غضب.
كان فيهما خجل.
خجل أم رأت ابنها يشاهد إهانتها داخل البيت الذي كان من المفترض أن ينقذها.
في تلك اللحظة توقفت عن كوني الابن الذي يصلح كل شيء بصمت.
أدخلت يدي في الحقيبة.
اعتدلت هبة في جلستها.
ما هذا؟
لم أجب.
أخرجت ملفًا أسود سميكًا، مليئًا بأوراق الكاتب العدل والنسخ الرسمية، وورقة مطوية احتفظت بها منذ يوم توقيع البيت.
ضحك كريم، لكن ضحكته هذه المرة لم تكن ثابتة.
وما هذا يا دكتور؟
تقدمت نحو الطاولة، ووضعت الملف فوق الورقة التي كتبوا فيها خطة نقل أبي وأمي إلى غرفة الخدمة، ثم قلت
هذا ما كان يجب أن تسألوا عنه قبل أن تدخلوا أول حقيبة إلى البيت.
الجزء الثاني سيكشف ما الذي أخفاه سامر داخل الملف
لكن أبي رفع يده.
ولأول مرة في حياتها سكتت هبة عندما أشار لها.
قال بصوت مبحوح
لا