اول ما شتريت القصر الفاخر
ساعة، خرجوا كلهم بهدوء. لا خناق، لا تهديدات. مجرد ناس اكتشفوا فجأة إن الشخص اللي كانوا واثقين فيه طول عمرهم طلع كداب.
ولما البيت فضي أخيراً، قعدت على الأرض وسط الصالة الفاضية.
بصيت حواليا للمساحات الواسعة، للإزاز الطويل، للضوء اللي بدأ يخف مع الغروب وحسيت بوحدة مرعبة.
طلعت موبايلي أفتح إيميل الشغل عشان أهرب من التفكير، فوقعت عيني على رسالة وصلت من محامي الشركة القديمة.
العنوان كان مهم وعاجل بخصوص صفقة البيع.
فتحتها وأنا متوقعة روتين قانوني ممل لكن أول سطر خلّى قلبي يقع
آنسة ناتالي، أثناء مراجعة التحويلات الأخيرة اكتشفنا وجود محاولة وصول غير مصرح بها إلى الحساب الاستثماري الأساسي الخاص بك، قبل ثلاثة أيام.
قريت باقي الرسالة بسرعة، وكل كلمة كانت أبرد من اللي قبلها.
حد حاول يسحب مبلغ ضخم جداً من الحساب اللي فيه باقي فلوس بيع الشركة والمحاولة تمت باستخدام بيانات دخول صحيحة.
بيانات ما يعرفهاش غير شخص واحد.
باتريك.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش هنا.
آخر سطر قال
المحاولة لم تنجح لأن شخصاً آخر سبق وغيّر بيانات الأمان قبل ساعات من التنفيذ.
وقفت مكاني ببطء.
أنا ما غيرتش أي حاجة فضلت أبص للشاشة كذا ثانية، حاسة إن الدم بينسحب
مين غيّر بيانات الأمان؟
إيدي بدأت تبرد. فتحت تفاصيل الحساب بسرعة، ودورت على سجل الدخول.
آخر تعديل أمان كان الساعة 213 فجراً من جهاز في شيكاغو.
وأنا وباتريك كنا وقتها في دنفر.
بلعت ريقي واتصلت فوراً بالمحامي.
رد بعد رنتين ناتالي؟ كنت لسه هكلمك.
قلت بسرعة مين اللي غيّر بيانات الحساب؟
سكت لحظة، وبعدين قال الشخص استخدم صلاحية قديمة محفوظة في ملف الشركة.
مين؟
النَفَس احتبس في صدري وأنا مستنية الإجابة.
قال بهدوء شريكك السابق دانيال كروس.
حسيت الأرض بتميد بيا.
دانيال.
الراجل اللي أسست معاه الشركة من سبع سنين واللي اختفى من حياتي تماماً بعد ما بعناها. آخر مرة شفته فيها كانت يوم حفلة التوقيع، لما سلّم عليا ببرود وقال خلي بالك ممن حواليكي يا ناتالي.
وقتها افتكرتها غيرة أو مرارة عادية.
دلوقتي الجملة رجعت تضرب في دماغي بعنف.
سألت المحامي هو عمل كده ليه؟
رد مش عارف. بس في حاجة لازم تعرفيها دانيال هو اللي بلغنا بمحاولة السحب أساساً.
سكتُ.
المحامي كمل وقال لو سألتي عليه، أقولك تبصي تحت درج المكتب الرئيسي في البيت.
قفلت المكالمة ببطء.
قلبي كان بيدق بعنف وأنا ماشية ناحية المكتب الزجاجي آخر الممر. البيت كان فاضي وهادئ
ركعت قدام المكتب، ومديت إيدي تحت أول درج.
أصابعي خبطت في حاجة متلزقة بشريط لاصق.
سحبتها.
فلاشة سوداء صغيرة.
ومعاها ورقة مطوية.
فتحتها بإيد مرتعشة.
كان مكتوب بخط دانيال
باتريك ما كانش بيشتغل لوحده.
وتحت الجملة دي صورة مطبوعة.
صورة لباتريك.
وهو قاعد في مطعم فاخر قدام شخص أنا أعرفه كويس جداً.
أخويا الصورة وقعت من إيدي على الأرض.
أخويا آدم.
الشخص الوحيد اللي كنت بثق فيه بعد موت أبويا. الوحيد اللي كان يعرف كل تفاصيل حياتي، حساباتي، صفقاتي وحتى مشاكلي مع باتريك.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة إني مش قادرة أتنفس.
فتحت الفلاشة بسرعة على اللاب توب.
كان فيها تسجيلات، إيميلات، وصور لتحويلات مالية بين باتريك وآدم ترجع لشهور طويلة. وكل حاجة كانت واضحة بشكل بشع.
آدم هو اللي عرّف باتريك حجم ثروتي الحقيقي. وهو اللي أقنعه يقرب مني أصلاً.
حتى فكرة الحساب المشترك كانت باقتراح من أخويا.
وفي تسجيل صوتي، سمعت صوت آدم بيقول ببرود
ناتالي ذكية في الشغل بس عاطفياً سهلة جداً. خليه يحسسها بالأمان وهي هتمضي على أي حاجة.
دموعي نزلت ساعتها لأول مرة.
مش على باتريك.
على نفسي.
على كل مرة دافعت فيها عن أخويا قدام الناس، وكل مرة صدقت إنه سندي.
آخر ملف في الفلاشة كان فيديو قصير من كاميرا مراقبة لمطعم. التاريخ كان قبل جوازي بأسبوعين.
باتريك سأل آدم وأختك لو اكتشفت؟
آدم ضحك وقال ساعتها هيكون كل شيء اتنقل باسمك خلاص.
قفلت اللاب توب بعنف.
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
آدم.
بصيت للاسم شوية وبعدين رديت.
صوته كان طبيعي جداً ها يا ناتالي؟ سمعت إن في مشكلة حصلت مع باتريك.
سكت ثانيتين، وبعدين قلت بهدوء عارف الغريب إن كل المشاكل بدأت من يوم ما دخلته حياتي.
ضحك بخفة متوترة إيه قصدك؟
قلت وأنا ببص للصورة اللي قدامي قصدي إنك كنت غبي لما افتكرت إني مش هعرف.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
ثم قال بصوت متغير دانيال لعب بذيله، صح؟
ابتسمت رغم وجعي لأ الحقيقة هي اللي لعبت.
قفل الخط فوراً.
بعدها بساعتين، كنت قاعدة في مكتب محاميّ ومعايا كل الأدلة. الحسابات اتجمدت، التحقيق اتفتح رسمي، وباتريك وآدم بقوا يجروا يحاولوا ينقذوا نفسهم.
لكن الأذى الحقيقي كان خلص.
بعد شهور، القصر بقى فعلاً بيتي.
رجعت أفرشه على ذوقي أنا. كل ركن فيه كان قرار أنا أخدته لنفسي، مش لإبهار حد.
وفي أول ليلة بعد ما خلصت كل حاجة، وقفت قدام الإزاز الكبير أبص للمدينة تحت التل.
ووقتها فهمت حاجة مهمة
أخطر الناس مش
أخطرهم اللي يقربوا مننا كفاية لدرجة إننا نسلّمهم مفاتيح حياتنا بإيدينا.