دفنت زوجى بعد أربعين يوم

لمحة نيوز

من البداية الفيلا ما كانت يومًا لك.
ولا أنا كنت خدامة عند أحد.
أربعون سنة وأنا أطبخ، وأنظف، وأداوي، وأسامح، وأتنازل.
حتى حزني على أبوك ما أعطيتوني وقت أعيشه.
دفنتُ زوجي الثلاثاء وأنت جبت الكلاب الأربعاء.
انخفضت عينا خالد.
أما ريم فحاولت تقاطع القراءة أكيد أحد لاعب بعقلها
لكن خالد رفع يده لتسكت.
وأكمل
تعرف يا خالد متى قررت أرحل؟
مو يوم مرض أبوك.
ولا يوم تعبت.
يوم سمعت حفيدتي تسأل أي غرفة بتصير غرفتي لما يتقسم البيت؟
وقتها فهمت إنكم تنتظرون موتي أكثر مما تنتظرون شفائي من الحزن.
بدأ صوت الببغاء يصرخ من الصالة عجوز كسولة! عجوز كسولة!
فانفجرت ريم بعصبية اسكته أحد!
لكن خالد ظل يقرأ كأن الكلمات تخنقه.
بعتُ الفيلا لأنني لا أريد أن يتحول بيتي إلى جائزة بعد موتي.
أما أموالي فسأصرفها على شيء واحد فقط
نفسي.
الشيء الذي نسيته أربعين سنة.
لا تبحثوا عني.
ولا ترسلوا أحدًا خلفي.
ولأول مرة منذ ولدتَ يا خالد أنت المسؤول عن نفسك.
توقفت الرسالة هنا.
لكن خالد لاحظ ظرفًا صغيرًا ملتصقًا بالخلف.
فتحَه بسرعة.
وفي داخله مفتاح إلكتروني صغير وبطاقة مكتوب عليها
شقة رقم ١٩٠٤ برج الكورنيش.
نظر خالد بدهشة.
همست ريم يمكن مخبية ذهب هناك؟
ذهب الاثنان فورًا.
طوال الطريق كانت ريم تتكلم عن الأموال والعقار والميراث.
أما خالد
فكان صامتًا.
لأن شيئًا داخله بدأ يفهم الحقيقة المؤلمة
أمه لم تهرب منهم فقط
بل كانت ترتب خروجها من حياتهم منذ وقت طويل جدًا.
وصلوا البرج.
فتح الحارس الباب بابتسامة أهلًا أستاذ خالد الوالدة وصّت نسلمك الشيء بنفسنا.
أعطاه صندوقًا أبيض صغيرًا.
فتحه بارتباك.
وفي الداخل
وجد طوقين للكلابين.
وقفص سفر للببغاء.
وفاتورة إقامة مدفوعة لمدة سنة كاملة في مركز تدريب ورعاية حيوانات.
وملاحظة أخيرة
بما إن الحيوانات صارت مسؤولية كبيرة عليكم حبيت أساعدكم مثل ما كنت أساعدكم دائمًا.
بس هالمرة وأنتم اللي تدفعون الباقي خرجت ريم من البرج وهي تكاد تنفجر غضبًا.
يعني هربت؟! بكل بساطة هربت وسابتنا؟
لكن خالد لم يرد.
كان واقفًا ينظر إلى صندوق الحيوانات بين يديه وكأنه يحمل شيئًا أثقل بكثير.

شيئًا اسمه العار.
في السيارة، بدأ هاتفه يمتلئ برسائل العائلة.
وين أم خالد؟
صحيح باعت الفيلا؟
الناس تقول إنها سافرت لحالها!
حتى أخته هند أرسلت له بالله قلّي إن الكلام مو صحيح أمي مستحيل تسويها.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت مضى.
أمه فعلتها فعلًا.
ولأول مرة في حياتها اختارت نفسها.
في تلك الليلة، عاد خالد إلى شقته متوترًا.
الكلاب تنبح.
الببغاء يصرخ عجوز كسولة!
وفجأة صرخ خالد بأعلى صوته اسكت!
ساد الصمت.
حتى ريم صُدمت من طريقته.
جلس خالد على الكنبة وأخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال بهدوء غريب تتذكرين آخر مرة سألنا أمي إذا كانت بخير؟
ريم عقدت ذراعيها لا تبدأ دراما زيادة هي أمك مو طفلة.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال يمكن لأننا اعتبرناها أمًّا نسينا إنها إنسانة.
ولأول مرة منذ سنوات، شعر خالد بشيء لم يشعر به حتى يوم وفاة أبيه
الذنب.
في اليوم التالي انتشرت القصة بين الأقارب بسرعة.
البعض قال إن نورة جنّت آخر عمرها.
والبعض قال إنها أنانية.
لكن نساء كثيرات في العائلة كنّ يخفين ابتسامات صغيرة أثناء سماع الخبر.
خصوصًا خالته أم فيصل التي تمتمت وهي تصب القهوة والله إنها سوت اللي كلنا تمنيناه وما قدرنا عليه.
أما نورة
فكانت في مكان آخر تمامًا.
في صباح هادئ فوق سطح السفينة.
ترتدي قبعة قش كبيرة ونظارة شمسية، وتشرب قهوتها أمام البحر المفتوح.
لا طبخ.
لا صراخ.
لا أحد يسألها أين وضع منشفة الحمام.
ولا أحد يطرق بابها ليترك عندها مسؤولياته ويرحل.
اقتربت منها امرأة فرنسية مسنّة وسألتها بالإنجليزية تسافرين وحدك؟
ابتسمت نورة لأول مرة من قلبها وقالت لا
ثم نظرت إلى البحر الواسع وأكملت هذه أول مرة أسافر فيها مع نفسي.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
رن هاتفها برسالة جديدة من خالد.
يمّه آسف.
ظلت تنظر إلى الكلمة طويلًا.
آسف.
الكلمة التي انتظرتها سنوات.
لكن الغريب
أنها لم تبكِ عندما قرأتها.
فقط أغلقت الهاتف بهدوء
ورفعت وجهها للشمس.
كأنها تتعلم الحياة من جديد مرّت ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر كاملة لم ترد فيها نورة إلا على رسالة واحدة فقط من خالد
أنا بخير.
لا صور.
لا مكالمات.
لا تفاصيل.
وكأنها كانت
تعيد بناء نفسها قطعة قطعة بعيدًا عن الجميع.
زارت خلالها مدنًا لم تكن تتخيل يومًا أنها ستراها.
مشت في شوارع برشلونة دون أن يركض أحد خلفها طالبًا شيئًا.
جلست في مقهى صغير في نابولي وأكلت البيتزا بيديها وهي تضحك وحدها.
وفي إسطنبول اشترت أقراطًا جديدة أكبر من أقراط اللؤلؤ القديمة التي كان أبو خالد يكرهها.
وفي كل مدينة، كانت تشتري شيئًا صغيرًا لنفسها فقط.
لا لأحد غيرها.
أما خالد
فكانت حياته تتفكك ببطء.
ليس بسبب المال.
بل بسبب الفراغ الذي تركته أمه.
اكتشف للمرة الأولى أن الثياب لا تُغسل وحدها.
وأن الثلاجة لا تمتلئ تلقائيًا.
وأن هناك فرقًا بين وجود شخص في البيت وبين أن يكون هذا الشخص هو الذي يحمل البيت كله فوق كتفيه.
حتى ريم بدأت تتوتر باستمرار.
الخادمة تركت العمل.
والكلاب أتلفت أثاثًا جديدًا.
والببغاء صار يكرر جملة جديدة تعلمها من ريم أثناء شجارها مع خالد
مو شغلنا نهتم فيها!
وفي إحدى الليالي، بعد شجار طويل، قالت ريم بعصبية من يوم سافرت أمك وأنت متغير!
رد خالد لأول مرة ببرود يمكن لأني بدأت أشوف أشياء كنت أتجاهلها.
ثم نظر حوله.
الفوضى.
الصراخ.
الطلبات التي لا تنتهي.
وفجأة رأى أمه في كل زاوية.
كيف كانت تتحمل كل هذا وحدها؟
في صباح اليوم التالي، اتصلت هند بأخيها وقالت خالد لازم تعرف شيء.
سألها بتوتر خير؟
ترددت قليلًا قبل أن تقول أمي باعت أكثر من الفيلا.
سكت.
ثم همس وش تقصدين؟
قالت هند المزرعة القديمة بعد وحتى الاستراحة اللي باسم الوالد.
وقف خالد فجأة.
مستحيل!
لكن هند أكملت والأغرب إنها تبرعت بجزء كبير من الفلوس.
لمين؟
جاءه الرد كالصاعقة لدار أرامل ومركز علاج مجاني لكبار السن.
جلس خالد ببطء.
كأن الهواء اختفى من حوله.
أمه
التي كانوا يعاملونها كأنها مجرد امرأة عجوز يجب أن تبقى متاحة لهم دائمًا
كانت تبني حياة كاملة بعيدًا عنهم.
وفي تلك الليلة، فتح خالد ألبوم صور قديمًا للمرة الأولى منذ سنوات.
وجد صورة لأمه وهي شابة.
تضحك.
تركض على البحر.
عيناها مليئتان بالحياة.
ظل يحدق فيها طويلًا.
ثم همس لنفسه متى اختفت هذي المرأة؟
لكن السؤال الحقيقي الذي بدأ يخيفه
كان
هل اختفت فعلًا
أم أنهم هم الذين دفنوها حيّة طوال السنين؟بعد سبعة أشهر من سفر نورة
وصلت رسالة رسمية إلى خالد وهند.
دعوة لحضور افتتاح مشروع جديد في جدة.
اسم المشروع كان غريبًا عليهما
دار الحياة الثانية.
وفي أسفل الدعوة مكتوب
برعاية نورة العتيبي.
سافرا وهما لا يعرفان ماذا ينتظرهما.
ريم رفضت الحضور في البداية، لكنها جاءت في النهاية بدافع الفضول أكثر من أي شيء آخر.
وصلوا إلى مبنى أبيض كبير مطل على البحر.
هادئ.
مليء بالأشجار والنوافذ الواسعة.
وعند المدخل كانت هناك لوحة نحاسية كتب عليها
ليس لأن العمر انتهى يعني أن الحياة انتهت.
دخل خالد ببطء.
ثم توقف فجأة.
كانت أمه واقفة في آخر القاعة.
لكنها لم تعد المرأة نفسها.
لم تكن تلك الأرملة المنهكة التي ترتدي السواد وتمشي بصمت خلف الجميع.
كانت ترتدي ثوبًا كريميًا أنيقًا، وشعرها مرتب بعناية، وفي عينيها شيء لم يره منذ سنوات طويلة
الراحة.
اقترب منها خالد بتردد.
ولأول مرة منذ سفرها لم يعرف ماذا يقول.
أما نورة فابتسمت بهدوء أهلًا يا وليدي.
انكسرت عينا خالد فورًا.
وقال بصوت مخنوق يمّه أنا ظلمتك.
لم ترد مباشرة.
نظرت إليه طويلًا ثم قالت أعرف.
كانت صادقة بشكل موجع.
لا دراما.
لا مبالغة.
مجرد حقيقة تأخر كثيرًا عن فهمها.
بدأت الجولة داخل المبنى.
غرف مريحة لكبار السن.
مكتبة.
عيادة مجانية.
رحلات وأنشطة.
وحتى قاعة صغيرة لتعليم النساء الكبيرات استخدام التقنية والسفر وإدارة أموالهن.
همست هند وهي تنظر حولها بدهشة أمي سويتي كل هذا؟
ابتسمت نورة طول عمري كنت أبني بيوت للناس وحان الوقت أبني مكان يشبهني.
أما ريم، فظلت صامتة طوال الوقت.
لأنها أدركت أخيرًا أن المرأة التي اعتبرتها عجوزًا وحيدة كانت أذكى وأقوى من الجميع.
وقبل أن ينتهي الحفل، تقدمت صحفية نحو نورة وسألتها ما أكثر شيء تعلمته بعد هذه الرحلة؟
أخذت نورة نفسًا هادئًا.
ثم قالت أمام الجميع
تعلمت إن الأم مو خُلقت عشان تُستهلك.
الصمت ملأ المكان.
أما خالد
فبكى لأول مرة دون خجل.
وفي نهاية اليوم، وبينما كانت الشمس تغرق في بحر جدة، اقترب خالد من أمه وقال ترجعين معنا الرياض؟

نظرت نورة إلى البحر طويلًا.
ثم ابتسمت تلك الابتسامة الهادئة التي لا تحتاج شرحًا.
وقالت أزوركم أكيد
لكن عندي حياة هناك تنتظرني.
ثم أمسكت حقيبتها الصغيرة ومشت ببطء نحو سيارتها.
هذه المرة
لم يكن أحد ينتظر منها أن تبقى.

تم نسخ الرابط