فى عزومة عائليه

لمحة نيوز


ليه ماكانش عندهم ذرة حب ناحيتي.
أنا فعلًا كنت دخيلة.
قلت بصوت مخنوق يعني خطفوني؟
هز راسه ببطء واضح إن والدك استخدم علاقاته وقتها وقفّل الموضوع كله.
سكت شوية
ثم قال الجملة اللي كسرت آخر حاجة جوايا
وفي الغالب كانوا بيعاقبوكي طول عمرك لأنك مش البنت اللي خسروها.
غطيت وشي بإيديا وانهرت.
مش عياط.
انهيار كامل.
كل ذكرى طفولة رجعت مرة واحدة.
الضرب.
الإهانات.
الحبس.
نظرات الكره.
كنت فاكرة إن فيّ عيب.
إني ناقصة.
إني أستحق.
لكن الحقيقة
إنهم كانوا بيعذبوا طفلة بريئة بذنب مالهاش علاقة بيه.
بعد ساعة كاملة
لما هديت شوية
سألت أهم سؤال
أهلي الحقيقيين عايشين؟
كريم بصلي للحظة طويلة.
وفي عينه تردد واضح.
عرفت الإجابة قبل ما ينطق.
قال بهدوء أمك الحقيقية ماتت بعد اختفائك بسنة.
قلبي وقع.
لكنّه كمّل بسرعة
بس والدك عايش.
شهقت.
إيه؟!
طلع صورة من آخر الملف.
رجل شعره فيه شوية شيب
واقف قدام ورشة نجارة بسيطة
وبيضحك.
وكانت نفس عيني.
نفس عيني بالضبط.
قال كريم فضل يدور عليكي ٢٤ سنة الصورة وقعت من إيدي على السرير.
فضلت أبص للرجل
ملامحه بسيطة
هدومه عادية
لكن عينيه
عينيه كانوا دافيين بشكل عمري ما شفته.
همست هو كان بيدور عليا فعلًا؟
كريم هز راسه كل سنة كان بيرفع طلبات جديدة لإعادة فتح القضية. باع عربيته وصرف كل اللي وراه وقدامه على محامين ومحققين خاصين.
دموعي نزلت أكتر.
واحد غريب

عني
حبني العمر ده كله.
بينما الناس اللي ربتني
ماعرفوش غير الكره.
قلت بخوف هو فاكرني إيه دلوقتي؟
كريم رد بهدوء فاكرك ميتة.
الكلمة خبطت في صدري بعنف.
اتضح إن بعد اختفائي بشهور، اتبعتت له هدوم طفلة صغيرة عليها دم.
ومع الوقت
الكل أقنعه إن مافيش أمل.
إلا هو.
هو الوحيد اللي ماصدقش.
بعد يومين
خرجت من المستشفى.
فكي متجبس
وجسمي كله ألم.
لكن لأول مرة في حياتي
ماكنتش راجعة البيت.
كريم كان سايق في صمت.
وأنا ضامة إيديا بتوتر.
سألني متأكدة إنك عايزة تشوفيه؟
هزيت راسي بسرعة.
رغم الرعب اللي جوايا.
العربية وقفت قدام ورشة نجارة صغيرة في حي شعبي هادي.
ريحة الخشب كانت مالية المكان.
وصوت المنشار شغال من جوه.
قلبي كان هينفجر.
كريم نزل الأول.
دخل الورشة
وبعدين سمعت صوت راجل تحت أمرك يا باشا.
ثواني.
وصمت.
صمت طويل أوي.
بعدها
صوت حاجة وقعت على الأرض.
وبعدين خطوات سريعة.
طلع راجل الصورة يجري لبرا الورشة.
أول ما شافني
وقف.
كأن الزمن اتشل.
عينيه وسعوا بشكل مرعب.
وإيده بدأت ترتعش.
كان بيبص على وشي المصاب
والجبيرة
والكدمات
لكن رغم كل ده
عرفني.
همس بصوت مكسور مريم؟
الطريقة اللي نطق بيها اسمي
خلت قلبي ينهار.
مش زيهم.
مش باحتقار.
ولا بعصبية.
نطق اسمي كأنه بيحضنني بيه.
حاولت أتكلم
بس العياط خنقني.
وفجأة
هو اللي انهار.
الراجل الكبير وقع على ركبته وسط الشارع
وبقى يعيط.
عيّاط راجل
متكسر من سنين.
ويردد بنتي بنتي رجعت
الناس بدأت تبص علينا.
لكن لأول مرة
ما اهتمتش.
قربت منه ببطء.
وهو كان خايف يلمسني.
كأنه مش مصدق إني حقيقية.
فأنا اللي حضنته.
وفي اللحظة دي
حسيت بحاجة عمري ما حسيتها قبل كده.
الأمان.
لكن وسط حضنه
سمعته بيهمس فجأة بصوت مرعوب
هما عملوا فيكي إيه يا بنتي؟
وساعتها
كريم اللي كان واقف ساكت طول الوقت
قال الجملة اللي غيرت كل حاجة
ودي مش أسوأ حاجة عملوها أبويا الحقيقي رفع راسه ببطء.
الدموع مغرقة وشه.
وبص لكريم بقلق يعني إيه؟
كريم سكت ثواني
كأنه بيختار أخف طريقة يقول بيها الحقيقة.
لكن مافيش طريقة خفيفة لحاجة زي دي.
قال بهدوء بعد ما فتحنا التحقيق اكتشفنا إنهم ماكانوش بيعنفوا مريم بس.
قلبي اتقبض.
كريم كمّل كانوا بياخدوا تبرعات باسمها من جمعيات خيرية على إنها بنت مريضة نفسيًا ومحتاجة رعاية خاصة.
شهقت بصدمة.
إيه؟!
طلع ملف تاني.
فيه صور لطلبات تبرع
تقارير طبية مزورة باسمي
وحسابات بنكية.
أمي وأبويا كانوا بيقبضوا فلوس سنين مقابل إني أعيش سجينة في البيت.
لكن الأسوأ
كان آخر ورقة.
تقرير طبي قديم.
مكتوب فيه توصية بإيداعي مؤسسة علاجية مغلقة بسبب العنف وعدم الاتزان العقلي.
بصيت لكريم برعب.
قال كانوا بيجهزوا يحطوكي في مصحة بشكل دائم.
نفسي اتقطع.
فهمت فجأة ليه العنف زاد آخر الشهور.
وليه أمي كانت كل شوية تقول قريب هنرتاح منها.
أبويا الحقيقي
مسك الورق بإيد بترتعش
وبعدين فجأة قطّعه كله.
وقال بصوت مليان وجع كفاية. بنتي مش هتعيش دقيقة خوف تاني.
وبالفعل
ما عشتش.
القضية قلبت الرأي العام.
خصوصًا بعد انتشار تسجيل العزومة.
الناس اللي كانوا يضحكوا ويسكتوا
بقوا أول ناس يشتموا.
أمي انهارت أول جلسة لما القاضي شغّل التسجيل.
ودينا فضلت تصرخ إن كريم خدعها.
أما أبويا
فما رفعش عينه من الأرض أبدًا.
صدر الحكم بعد شهور
السجن لسنوات طويلة.
وتهم خطف
وتزوير
وعنف أسري.
ولأول مرة في حياتي
حد وقف في صفي.
رجعت أعيش مع أبويا الحقيقي فوق الورشة.
مكان صغير جدًا
لكن دافي.
كان كل يوم يحاول يعوض ٢٤ سنة ضاعوا.
يعمللي فطار.
يسألني أكلت ولا لأ.
يفرح لما أضحك.
ويبكي أحيانًا لما يفتكر طفولتي اللي ماشفهاش.
أما أنا
فبدأت أتعالج.
مش بس من الكسور
من كل حاجة.
واتعلمت لأول مرة إن الحب مش لازم يكون مؤلم.
وإن البيت مش المفروض يخوفك.
بعد سنة
رجعت لشغلي.
لكن المرة دي
بقيت أشتغل مع الأطفال المعنفين.
كل طفل كنت بشوفه
كنت بشوف نفسي القديمة فيه.
وكل مرة كنت أقول لطفل اللي حصل لك مش ذنبك
كنت بعالج جزء جوايا أنا كمان.
أما كريم
ففضل موجود.
بهدوء.
من غير ضغط.
من غير ما يحاول يكون بطل.
بس كل مرة الدنيا كانت تخوفني
كنت أبصله وأفتكر إن أسوأ ليلة في عمري
هي نفسها اللي أنقذت حياتي.
وفي يوم هادي جدًا
وأنا قاعدة مع أبويا الحقيقي قدام الورشة
بنشرب شاي
بصلي فجأة وقال تعرفي إيه أكتر حاجة ندمان عليها؟
ابتسمت وسألته إيه؟
قال والدموع في عينه إني صدقت يوم قالولي إنك مِتّي بدل ما أفضل أدور.
مسكت إيده بقوة
وقلت لأول مرة من قلبي كله
بس إنت لقيتني.

تم نسخ الرابط