تزوجت ابنت رجل ثري
الغرفة وبعد نصف ساعة خرج القاضي وعيناه متغيرتان.
ثم نطق بالحكم
تبقى ليان معنا.
لأن الطفلة قالت جملة واحدة فقط هزّت المحكمة كلها
الأم الحقيقية ليست التي ولدتني الأم الحقيقية هي التي كانت تمسك يدي عندما أخاف بالليل.
انهارت زوجتي بالبكاء داخل المحكمة.
أما المرأة الأخرى فغادرت دون أن تنظر خلفها.
وفي تلك الليلة
عدنا للبيت متعبين، لكن قلوبنا أخيرًا مطمئنة.
كانت ليان نائمة بيننا كعادتها.
وزوجتي تمسح شعرها بهدوء.
ثم قالت لي فجأة تعرف ما أغرب شيء؟
قلت ماذا؟
ابتسمت وسط دموعها وقالت الندبة التي ظننتُ أنها ستمنعني من أن أصبح أمًا كانت السبب الذي قادني لكل هذا الحب مرت السنوات
وكبرت ليان أكثر، حتى أصبحت تشبه أمها بطريقة غريبة. ليس في الشكل بل في القلب.
كانت إذا رأت شخصًا حزينًا تجلس بجانبه تلقائيًا. وإذا سمعت أحدًا يسخر من فتاة ممتلئة في المدرسة، تعود للبيت غاضبة وكأن الكلام وُجّه لها شخصيًا.
وذات يوم، عادت من المدرسة تبكي.
جلست أمام أمها وقالت البنات يقولون إنكِ لستِ أمي الحقيقية.
ساد الصمت في البيت كله.
شعرتُ أن زوجتي توقفت حتى عن التنفس.
كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي يومًا ما لكن ليس بهذه السرعة.
اقتربت زوجتي منها ببطء، وجلست
ثم قالت بهدوء وهل أنتِ تشعرين أنني لست أمك؟
هزّت ليان رأسها بسرعة لا أنتِ أمي.
ابتسمت زوجتي، رغم أن عينيها كانتا تمتلئان بالدموع.
وقالت إذًا دعينا الناس يقولون ما يريدون.
ثم رفعت طرف كمّها لأول مرة أمام أحد وأظهرت الندبة القديمة الممتدة قرب بطنها.
وقالت بصوت مرتجف هذه الندبة أخذت مني أشياء كثيرة لكنها أعطتني أنتِ.
ارتمت ليان في حضنها تبكي.
وأنا وقفت أراقبهما وأشعر بشيء يشبه الامتنان المؤلم.
بعدها بفترة قصيرة، حدث أمر لم نتوقعه أبدًا.
أمي تعبت فجأة.
نقلناها إلى المستشفى بسرعة، لكن الأطباء أخبرونا أن قلبها أصبح ضعيفًا جدًا.
وفي آخر ليلة
طلبت أن نبقى نحن الثلاثة معها.
كانت تتنفس بصعوبة، لكن ملامحها هادئة بشكل غريب.
أمسكت يد زوجتي أولًا وقالت سامحيني لأني في البداية ظننت أن ابني ضحّى بنفسه عندما تزوجك.
ثم ابتسمت بتعب لكن الله أرسل لكِ قلبًا أكبر من كل الناس الذين ظلموك.
بعدها نظرت إليّ أنا.
وقالت بصوت متقطع أبوك مات وهو خايف عليك أما أنا فسأموت وأنا مطمئنة.
ثم أشارت إلى ليان الصغيرة صار عندك بيت حقيقي.
وفي تلك الليلة رحلت أمي.
بكيت كطفل.
لكن أكثر ما كسرني أن زوجتي بقيت طوال العزاء واقفة بجانبي، تستقبل
وبعد انتهاء العزاء بأيام
وجدت رسالة قديمة داخل خزانة أمي.
كانت مكتوبة بخط يدها المرتجف.
فتحتها، وبدأت أقرأ
يا ابني إذا قرأت هذه الرسالة، فمعناه أنني رحلت.
أريدك فقط أن تعرف شيئًا واحدًا أول مرة رأيت زوجتك، عرفت أنها تشبهك.
كلاكما كان يظن أنه غير مرغوب فيه وكلاكما كان يحتاج فقط لشخص يحبه دون شروط.
لا تخسرها أبدًا.
بعض الناس يأتون لحياتنا كتعويض من الله وزوجتك كانت تعويضك بعد وفاة أمي تغيّر البيت مرة أخرى.
صار أكثر هدوءًا. لكن لم يعد ذلك الهدوء المؤلم الذي عرفته قديمًا.
كان هدوء بيتٍ تعب كثيرًا ثم نجا أخيرًا.
مرت السنوات بسرعة.
ليان دخلت الجامعة، وأصبحت تدرس علم النفس. كانت تقول دائمًا إنها تريد أن تساعد الناس الذين يشعرون أنهم مكسورون من الداخل تمامًا مثلما كانت أمها يومًا ما.
أما زوجتي فلم تعد تلك المرأة التي تخفي نفسها داخل العباءات السوداء.
بدأت تهتم بنفسها. تضحك بصوت مرتفع. تمشي بثقة. وأحيانًا أمسكها تنظر إلى المرآة وتبتسم لنفسها بهدوء، وكأنها أخيرًا تصالحت مع جسدها وندبتها وكل ما مرت به.
وفي مساء شتوي هادئ
كنا نجلس في الشرفة أنا وهي فقط، بعدما سافرت ليان مع الجامعة.
كانت السماء تمطر بخفة، ورائحة القهوة تملأ المكان.
وفجأة سألتني إذا عاد بك الزمن هل كنت ستقبل عرض أبي مرة أخرى؟
نظرت إليها طويلًا.
تذكرت أمي وهي تختنق. وتذكرت نفسي وأنا أوافق على الزواج مكسورًا ومهانًا. وتذكرت ليلة الندبة والخوف والغضب وكل ما عشناه.
ثم ابتسمت.
وقلت لا.
تغيّرت ملامحها للحظة، وكأن قلبها انقبض.
لكنني أمسكت يدها وأكملت
لو عاد بي الزمن لما قبلتُ أن أتزوجك صفقة. كنت سأبحث عنك بنفسي وأحبك بالطريقة التي تستحقينها منذ البداية.
بكت.
لكنها هذه المرة لم تكن دموع ألم كانت دموع امرأة انتظرت عمرًا كاملًا لتسمع أنها كانت كافية كما هي.
وفي تلك اللحظة رنّ هاتفها.
نظرت إلى الشاشة ثم تجمدت.
سألتها من؟
همست وهي تبكي وتضحك بنفس الوقت ليان
ثم فتحت المكالمة على السماعة.
وجاء صوت ليان المرتجف من الطرف الآخر
ماما بابا أنا بالمستشفى.
شعرتُ أن قلبي توقف.
لكنها أكملت بسرعة وهي تضحك من بين دموعها
لا تخافوا أنا فقط أردت أن أخبركم أنكم ستصبحون جدًّا وجدّة.
ساد الصمت لثوانٍ
ثم انفجرت زوجتي بالبكاء. وضعت يدها على فمها، وكأنها لا تصدق.
هي المرأة التي أخبروها يومًا أنها لن تعيش شعور الأمومة أبدًا
كانت على وشك أن تصبح جدّة.
اقتربتُ
وكان أول شيء قالته وهي تبكي على صدري
انظر كيف يعوّض الله القلوب التي صبرت