امى خلتنى اكتب شقتى باسمها

لمحة نيوز


شهقة قوية طلعت من واحدة ست كبيرة قاعدة قدام المسرح.
وأنا… كنت واقفة كأني اتشلّيت.
بصيتله. مستنية ينكر. يقول مفبرك. يقول هزار.
لكنه ما قالش حاجة.
بس وشه اتقفل بعنف. وقال لأمي بين سنانه: "إنتِ فتشتي تليفوني؟"
أمي ردت بمنتهى البرود: "لأ. ابنك بنفسه بعت الرسائل دي من موبايله لبنت خالته وهو سكران… وهي اللي بعتتهالي لما فهمت الحقيقة."
حماتي فقدت أعصابها أخيرًا.
شدّت المايك من إيد أمي وقالت بعصبية: "حتى لو! ما كل الرجالة بتأمّن مستقبلها! إنتوا عاملين فيها ملايكة ليه؟!"
الكلمة وقعت على القاعة زي القنبلة.
ناس قامت تمشي فعلًا. واحدة من خالاتي قالت بصوت عالي: "يا نهار أسود!"
وأبويا… أبويا اللي عمره ما رفع صوته… قام وقف.
وبص لكريم نظرة عمري ما هنساها.
وقال: "الفرح انتهى."
كريم اتوتر لأول مرة. "يا جماعة اهدوا… الموضوع اتفهم غلط."
صرخت فيه: "غلط إيه؟! إنت كنت داخل الجوازة عشان الشقة؟!"
قرب مني بسرعة وهو بيهمس بعصبية: "ما تسمعيش كلام أمك… دي بوظتلك حياتك."
لكن فجأة… افتكرت كل حاجة كنت بتجاهلها.
إصراره نكتب قايمة بمبالغ غريبة. أسئلة أمه المتكررة عن سعر الشقة. إلحاحهم نعمل فرش معين "يليق بمقام العيلة". حتى اقتراحه السخيف إن أمه تيجي تعيش معانا "فترة بسيطة".
كلها كانت إشارات. وأنا كنت عميانة فعلًا.
قلعت دبلة الجواز بإيد بترتعش.
وحطيتها في إيده.
وقلت: "الحمد لله إن أمي خربت حياتي… قبل ما تضيعها."
حماتي شهقت: "إنتِ اتجننتي؟! الناس كلها بتتفرج!"
بصيتلها وأنا بحاول أمنع دموعي: "أهو أخيرًا عندكِ حاجة تتفرجي عليها غير شقتي."
ولأول مرة… الناس سقفت.
مش للعروسة. ولا للعريس.
سقفوا لأمي.
أمي اللي كانت واقفة ثابتة وسط الفوضى، كأنها حاربت الحرب دي قبل كده.
مسكت إيدي وأنا بنهار أخيرًا.
وهمستلي: "دلوقتي بس… تقدري تبدأي حياتك صح."خرجت من القاعة وأنا

حاسة إن صوت الكعب على الرخام أعلى من الزغاريد اللي كانت شغالة من شوية.
الفستان الأبيض بقى تقيل بشكل غريب. والميكب بدأ يسيح من دموعي. لكن الغريب… إني لأول مرة من شهور كنت قادرة أتنفس.
ورايا كان في صوت خناقات. حماتي بتزعق. كريم بيحاول يبرر. المعازيم نصهم بيصوروا، والنص التاني بيهرب من الإحراج.
لكن أمي ما بصتش وراها ولا مرة.
ركبنا العربية. وأول ما الباب اتقفل… انهرت.
فضلت أعيط بشكل هستيري. مش عشان الجوازة باظت. عشان كنت قريبة جدًا أعيش عمري كله مع واحد كان شايفني “صفقة”.
أمي سابتني أعيط. ما قالتش “قلتلك”. ولا حتى شمتت.
بس بعد شوية طلعت من شنطتها علبة مناديل، وقالت بهدوء: "عارفة أنا اتصرفت كده ليه؟"
بصيتلها وسط دموعي وهزيت راسي.
تنهدت. وقالت: "لأني كنت مكانك زمان."
لفّيتلها بسرعة.
ولأول مرة في حياتي… شفت وجع قديم في عينيها.
قالت بصوت واطي: "أبوكِ مش أول راجل اتقدملي."
سكتت ثواني. وبعدين كملت: "قبل أبوكي بسنتين، كنت مخطوبة لراجل غني جدًا. وكنت فاكرة إنه بيحبني بجنون."
قلبي بدأ يدق.
"وفي يوم سمعت صدفة أمه وهي بتقول: البنت دي معاها أرض أبوها… ابنك ضمن مستقبله."
ابتسمت بمرارة. "ولما واجهته… قالي نفس الجملة اللي كريم قالهالك النهارده: (كل الرجالة بتأمّن مستقبلها)."
سكتت العربية كلها.
وأنا فجأة فهمت. فهمت ليه الخوف كان في عينيها من البداية. ليه كانت بتبص لحماتي وكأنها عارفاها من زمان.
قالت وهي تبص قدامها: "يومها أبويا حماني… ودلوقتي جه دوري أحمي بنتي."
مديت إيدي حضنتها بقوة. وبكيت أكتر.
وصلنا البيت بعد ساعة تقريبًا.
لكن أول ما دخلنا… اتفاجئت بوجود أبويا قاعد في الصالون.
كان ساكت بشكل خوّفني.
ولما شافني بالفستان… قام وقف.
افتكرت إنه هيزعق. أو يلومني. أو يقول إن الطلاق ليلة الفرح فضيحة.
لكنه عمل حاجة عمري ما هنساها.
قرب مني… وحط
إيده على راسي… وقال: "أنا فخور بيكي."
وانهرت أكتر.
في الليلة دي… قلعت الفستان الأبيض لوحدي. وفكيت شعري. وغسلت ميكب الفرح اللي ماكملش.
وبينما كنت ببص لنفسي في المراية… أدركت حاجة مرعبة:
إن أسوأ أنواع الخيانة… هي اللي بتيجيك في صورة حب.عدّى أسبوع.
الموبايل ما سكتش.
ناس بتواسيني. ناس فضولية عايزة تعرف “إيه اللي حصل بالظبط؟”. وجرايد وصفحات بتنزل فيديو حماتي وهي بتتكلم عن الشقة، لأن طبعًا حد من المعازيم سرب الفيديو.
وفي أقل من 48 ساعة… بقت “فرحة الزمالك” تريند صغير على السوشيال ميديا.
قفلت كل حاجة. حتى الإنستجرام.
لكن كريم؟ كريم ما بطلش محاولات.
مرة يعيط. مرة يزعق. مرة يبعت ورد. ومرة يبعت رسالة طويلة كلها: “إنتِ ظلمتيني.”
وفي آخر كل رسالة… كان يرجع لنفس النقطة.
“إحنا نقدر نبدأ من جديد… بس لازم نرجّع موضوع الشقة زي ما كان.”
ساعتها فهمت إن أمي كانت صح.
الطمع ما بيستخباش طويل.
وفي يوم، بعد حوالي 10 أيام، رن جرس البيت.
الخدامة فتحت. وبعدين جتلي متوترة: "أستاذ كريم تحت."
قلبي اتقبض. لكن قلت: "خليه يطلع."
دخل وهو شكله مرهق. دقنه طالعة. وعينه حمراء كأنه ما بينامش.
وقف في نص الصالون يبصلي بالفستان البيتي لأول مرة بدل فستان الفرح.
وقال بصوت مكسور: "وحشتيني."
ما رديتش.
قرب خطوة. "إنتِ صدقتي إنّي كنت طمعان؟"
بصيتله بثبات: "ما أنا سمعتك بنفسي."
سكت شوية. وبعدين قال الجملة اللي قتلت آخر حاجة جوايا: "كل الناس بتحسبها كده يا صوفيا… الجواز شراكة."
ضحكت. ضحكة قصيرة ومرة.
"شراكة؟ ولا صفقة استحواذ؟"
اتضايق. ولأول مرة القناع وقع بالكامل.
قال بعصبية: "طيب ما إنتِ كان عندك شقة بـ100 مليون! يعني إيه المشكلة لما نضمن مستقبلنا؟!"
“نضمن؟” كررتها وأنا ببصله بذهول.
“يعني أنا أتعب طول عمري… وإنت وأمك تدخلوا جاهزين على النتيجة؟”
قال بسرعة: "ما كنت هبقى
جوزك!"
صرخت فيه: "وده يديك حق في تعبي؟!"
الصالون كله سكت.
وفجأة… باب البيت اتفتح.
أبويا دخل.
كان راجع من الشغل. ولحسن حظي… سمع آخر جملة.
بص لكريم نظرة جامدة جدًا. وقال: "اتفضل اطلع بره."
كريم حاول يتماسك: "يا عمي إحنا بنتفاهم."
أبويا قرب منه خطوة. "لا. إنت كنت بتفاوض."
كريم ضحك بسخرية خفيفة: "حضرتك مكبر الموضوع أوي."
أبويا رد بمنتهى الهدوء: "لأنك صغير أوي، فمش فاهم إن الراجل لما يحب ست… بيخاف عليها، مش على ممتلكاتها."
أول مرة أشوف كريم يسكت بالشكل ده.
بصلي آخر مرة. وقال: "هتندمي."
رديت فورًا: "يمكن… بس مش على إني سيبتك."
خرج. وقفل الباب وراه بعنف.
ولما الصوت اختفى… حسيت البيت كله هدي.
أبويا بصلي وقال: "تعرفي أغلى حاجة أنقذناها النهارده إيه؟"
افتكرته هيقول الشقة.
لكنه قال: "كرامتك."مرّت 6 شهور.
التريند اختفى. الناس نسيت. والحياة… كملت.
رجعت لشغلي بالتدريج. وفي كل مرة كنت أدخل شقتي في الزمالك، كنت أبص للنيل من البلكونة وأفتكر الليلة دي.
في الأول كنت بحس بوجع. بعدها بقيت أحس بنجاة.
أمي كانت أوقات تبات عندي. نعمل قهوة بالليل ونضحك على تفاصيل كنت زمان بعيط بسببها.
وفي يوم، وأنا بفتح اللابتوب عشان شغل، وصلني إيميل غريب.
المرسل: كريم.
كنت هقفله. لكن حاجة جوايا خلتني أفتحه.
الرسالة كانت قصيرة جدًا:
“أمي تعبت… وباعت دهبها عشان نسدد ديون. الشقة اللي كنت بحلم بيها ضاعت. وأنا خسرتك. دلوقتي فهمت إن الطمع بيخلّي الإنسان يخسر الحاجة الوحيدة اللي كانت فعلًا غالية.”
فضلت أبص للإيميل شوية.
زمان… كنت ممكن أعيط. أو أضعف. أو حتى أرد.
لكن المرة دي؟ قفلت اللابتوب بهدوء.
وقمت.
خرجت للبلكونة. الهواء كان بارد خفيف. والنيل هادي بشكل مريح.
سمعت صوت أمي من جوه وهي بتناديني: "القهوة بردت يا صوفيا!"
ابتسمت.
وبينما كنت راجعة لجوه… وقفت لحظة أبص للشقة.

الشقة اللي كنت فاكرة إنها أهم حاجة أملكها.
ثم ضحكت بيني وبين نفسي.
لأن الحقيقة… أمي ما أنقذتش الشقة.
أمي أنقذتني أنا.

تم نسخ الرابط