مش هتبطلى تتأمرى وتتحكمى فى بيت مش بيتك

لمحة نيوز

فضل واقف قدام الباب كأنه مش مستوعب إن الكلام خلص فعلًا.
ودا قرار نهائي؟
سألها بصوت مبحوح.
إيمان هزت راسها بهدوء.
أيوه.
حاول يقرب خطوة، لكنها ثبتت مكانها.
المسافة الصغيرة بينهم كانت أكبر من خمس سنين كاملة.
طب طب وإحنا؟
سؤال متأخر جدًا.
إيمان بصتله للحظة طويلة، وبعدها قالت بصراحة موجعة
إحنا انتهينا يوم ما بقيت تحسسني إني حمل في حياتك مش شريكة فيها.
طارق سكت، وعينه نزلت للأرض.
لأول مرة، ملاقاش حاجة يدافع بيها عن نفسه.
وفجأة صوت كحة قوية طلع من وراه.
الحاجة نادية كانت طالعة السلم ببطء، ماسكة الدرابزين بإيد مرتعشة. شكلها كان مرهق جدًا، ووشها شاحب بطريقة خوّفت إيمان رغم كل حاجة.
طارق
قالتها بصعوبة وهي بتحاول تاخد نفسها.
طارق جري عليها بفزع
ماما! إنتِ طلعتي ليه؟!
لكن الحاجة نادية مكانتش باصة له.
كانت باصة لإيمان.
ولأول مرة عينيها مكانش فيهم كره.
كان فيهم تعب وندم.
قعدت على أول درجة في السلم وهي تلهث.
أنا كنت غلطانة يا بنتي.
إيمان اتجمدت مكانها.
الحاجة نادية كملت بصوت مكسور
كنت فاكرة إني لما أفضل ابني جنبي أبقى كسبت.
مكنتش فاهمة إني بخسره وهو حي.
طارق لف لها بصدمة
ماما
اسكت يا طارق.
قالتها بحزم ضعيف.
البنت دي استحملت مننا اللي جبل ما يستحملهش وأنا كل مرة كنت أزود النار.
الدموع نزلت من عين طارق لأول مرة قدامهم.
أما إيمان فكان جواها خليط مرعب من المشاعر.
وجع قديم.
راحة متأخرة.
وحزن على سنين ضاعت عبث.
الحاجة نادية
مدت إيدها المرتعشة ناحية إيمان.
سامحيني لو تقدري.
إيمان بصتلها ثواني طويلة.
ثم قربت بهدوء، ومسكت إيدها فعلًا.
أنا مسامحاكي يا طنط
بس المسامحة مش معناها إني أرجع لنفس الوجع.
الحاجة نادية أغمضت عينيها كأنها كانت مستنية الجملة دي.
بعد أسبوعين
إيمان كانت في المطار 
لابسة بدلة بسيطة شيك، وشعرها متساب بحرية لأول مرة من سنين.
في الشنطة اللابتوب بتاعها وعقد شغل جديد ومفتاح شقة جديدة في دبي.
وقبل النداء الأخير للطائرة، وصلها إشعار على الموبايل.
رسالة من طارق
يمكن أكون خسرت أحسن إنسانة دخلت حياتي
بس لأول مرة، أتمنى لك السعادة حتى لو مش معايا.
إيمان قفلت الشاشة بهدوء.
وبصت من الازاز للطائرة الكبيرة المستنية.
ابتسمت لنفسها
ولأول مرة،
ماحستش إنها خارجة من بيت.
حست إنها داخلة على حياة بعد ست شهور
دبي كانت مختلفة عن أي حاجة عاشتها إيمان قبل كده. 
المدينة سريعة، صاخبة، مليانة ناس بتجري ورا أحلامها ودي كانت أول مرة تحس إنها واحدة منهم.
شقتها الجديدة كانت في دور عالي، بشباك واسع بيكشف السما كلها. كل صباح كانت تشرب قهوتها قدام الشمس وهي طالعة، وتبتسم للفكرة اللي كانت مستحيلة زمان
محدش بيزعق دلوقتي عشان نقطة مية نازلة من الحوض.
شغلها نجح بشكل مبهر.
الحملة الإعلانية اللي أدارتها خلت اسمها يلمع في الشركة، وبقت تسافر وتحضر مؤتمرات وتقابل ناس مهمة. والأهم بقت ترجع البيت وهي مرتاحة، مش خايفة.
لكن رغم كل ده، كان فيه جزء
صغير جواها لسه بيتوجع كل ما تفتكر النسخة القديمة منها.
البنت اللي كانت بتعتذر وهي مش غلطانة.
اللي كانت تخاف تطلب أبسط حقوقها.
وفي ليلة هادية، وهي قاعدة تراجع شغل على اللابتوب، تليفونها رن برقم مصري.
طارق.
اترددت ثواني ثم ردت.
ألو؟
صوته كان هادي بشكل غريب.
إزيك يا إيمان؟
الحمد لله.
سكت شوية، وبعدها قال
ماما ماتت
الكلمة وقعت تقيلة جدًا.
إيمان غمضت عينيها تلقائيًا.
رغم كل حاجة، الخبر وجعها.
البقاء لله
طارق أخد نفس طويل.
قبل ما تموت بيوم فضلت تردد اسمك. وكانت عايزة تكلمك.
إيمان حست بغصة في قلبها.
قالت إيه؟
صوته اتهز لأول مرة
قالتلي
قول لإيمان إنها كانت بنتي بجد بس أنا عرفت ده متأخر.
الدموع لمعت في عين إيمان بصمت 
فضلوا ساكتين لحظات طويلة
ولا واحد فيهم عارف يقول إيه بعد العمر ده كله.
ثم قال طارق بهدوء
أنا اتغيرت يا إيمان.
ابتسمت بحزن وهي تبص لأنوار دبي تحتها.
عارفة.
طب ينفع نسافر الزمن ونبدأ من جديد؟
السؤال كان مليان رجاء مكسور.
إيمان سكتت.
ثم قالت بمنتهى الهدوء
إحنا مش محتاجين نرجع للماضي يا طارق
إحنا محتاجين نتعلم منه بس.
يعني مفيش أمل؟
بصت لانعكاسها في الإزاز.
المرأة اللي قدامها كانت قوية، مستقلة، وهادية بس الأهم إنها بقت بتحب نفسها.
وقالت آخر جملة قفلت بيها كل الأبواب القديمة
أحيانًا يا طارق
أكبر دليل إن الحب كان حقيقي،
إننا منرجعش لبعض تاني. عدّى سنة كاملة
وفي مساء شتوي هادي، كانت إيمان واقفة على منصة
كبيرة في مؤتمر إعلاني عالمي في دبي، والناس بتسقف لها بعد ما استلمت جائزة أفضل مديرة حملات تسويقية في الشرق الأوسط. 
الأضواء كانت قوية، والكاميرات حوالين وشها لكن اللي شافته وسط كل الزحمة، كان نسخة قديمة منها.
البنت اللي كانت واقفة يومًا ما في مطبخ ضيق، ماسكة مج شاي بارد، وبتحاول تقنع الناس إن تسريب المية محتاج يتصلح.
ابتسمت إيمان لنفسها بحنان.
بعد الحفل، رجعت شقتها متأخرة.
فتحت الباب، فاستقبلها الهدوء اللي بقى أغلى نعمة في حياتها.
وعلى الطاولة جنب الباب، كان فيه ظرف صغير وصلها من مصر مع واحدة من زميلاتها العائدات من القاهرة.
فتحت الظرف باستغراب.
كان عقد ملكية الشقة القديمة.
الشقة اللي كانت حماتها دايمًا تقول عليها بيت ابني مش بيتك.
ومرفق مع العقد رسالة قصيرة بخط طارق
قبل ما ماما تموت، كتبت الشقة باسمك.
قالتلي
البنت الوحيدة اللي حافظت على البيت كانت هي صاحبته الحقيقية.
أنا عارف إنك مستحيل ترجعي
بس كان لازم حقك يرجعلك، حتى لو متأخر.
إيمان فضلت باصة للورق فترة طويلة
ثم ضحكت وسط دموعها.
مش لأنها كسبت شقة.
لكن لأن الحياة أخيرًا رجعت لها إحساس ضاع سنين
إنها تستحق.
قامت بهدوء، فتحت البلكونة، وخدت نفس عميق من هوا الليل.
وبدون تردد
مزقت العقد نصفين 
ورمت الورق في سلة المهملات.
لأن البيت الحقيقي
مكانش شقة.
البيت الحقيقي كان النسخة الجديدة اللي بنتها لنفسها بعد ما خرجت من تحت الركام.
وفي الصباح التالي، سابت
دبي متجهة لمطار جديد وبلد جديدة وحياة أوسع.
المرة دي، ماكانش معاها خوف.
ولا احتياج لحد ينقذها.
كان معاها نفسها فقط
وده أخيرًا، كان كفاية

تم نسخ الرابط