عزومه فى بيت اهل جوزى

لمحة نيوز


ماعرفش يرد.
فقومت وفتحت درج الكومود، وطلعت ورقة صغيرة حاطة فيها كل حاجة كنت بعملها لوحدي في البيت:
تنظيف
طبخ
غسيل
خدمة أهله
تربية العيال
شغل أونلاين كنت بساعد بيه في المصاريف
ومراعاة لمشاعر الكل… إلا نفسي
حطيت الورقة قدامه وقلت: "دي مش واجبات خدامة… دي مسؤوليات ست بيت.
والفرق بينهم إن الأولى بتتاخد بالإهانة… والتانية بالتقدير."
عينيه دمعت لأول مرة.
قال بصوت مكسور: "أنا آسف."
ولأول مرة… حسيت إن الاعتذار طالع بجد.
لكن الجرح لما يكون عميق… ما بيتقفلش بكلمة.
قلت بهدوء: "أنا ممكن أسامح… بس عمري ما هرجع لنفس الست القديمة."
عدى شهر.
رجعت البيت… لكن بشروط.
أي عزومة تبقى شغل جماعي.
كل واحدة تشيل نفسها وجوزها.
وأنا مش مسؤولة عن خدمة حد.
حماتي حاولت تعترض أول يوم وقالت: "إحنا متعودين إنك ست جدعة."
ابتسمت ورديت: "والجدعنة عمرها ما كانت معناها إهانة النفس."
سلايفي اتضايقوا في البداية، لكن لما لقوني ثابتة… ابتدوا يتعاملوا باحترام غصب عنهم.
أما جوزي…
ففي أول عزومة بعدها، لما أخوه قال وهو بيضحك: "إيمان، قومي هاتي شاي يا بنتي."
جوزي رفع عينه من على الموبايل وقال بمنتهى الجدية: "قوم هاته لنفسك يا حبيبي… مراتي مش خدامة عند حد."
الصالة كلها سكتت.
أما أنا…
فأول مرة من سنين، شربت قهوتي وهي سخنة.مرت الشهور… والبيت اتغيّر فعلًا.
مش لأن الناس فجأة بقوا

ملايكة، لا…
لكن لأنهم فهموا إن إيمان القديمة ماتت يوم ما سمعت ضحكتهم عليها وسكوت جوزها.
بقيت لما أروح أي عزومة، أدخل وأسلم وأقعد وسط الستات عادي.
لو حبيت أساعد، أساعد بمزاجي… ولو تعبت، أقوم أرتاح من غير ما أحس إني مقصرة.
الغريب إن سلايفي نفسهم ابتدوا يشيلوا معايا غصب عنهم.
واحدة تقوم تجيب الأطباق، والتانية تدخل المطبخ، والتالتة تلم السفرة.
أما حماتي… فكانت أكتر واحدة متضايقة من التغيير.
كانت كل شوية ترمي كلمة: "الواحد مبقاش عارف ولاد الأيام دي مالهم… زمان الستات كانت تستحمل."
لكن المرة دي… ماكنتش بسكت.
كنت أبتسم وأقول: "وزمان كمان الستات كانت بتموت وهي مكسورة من جواها."
وجوزي؟
كان بيحاول يصلح اللي اتكسر بطريقته.
مرة جابلي ورد من غير مناسبة.
مرة خد العيال وخرجهم عشان أرتاح.
ومرة دخل المطبخ بنفسه قدام أهله وغسل الصحون بعد العشا.
اليوم ده بالذات، سلايفي كانوا شبه مصدومين.
أخوه قاله بضحك: "إيه يا عم؟ مراتك غسلت دماغك؟"
جوزي رد وهو بيكمل غسيل: "لا… دي فوقتني لنفسي."
بصيتله وقتها… وحسيت إن فيه حاجة فعلًا اتغيرت.
لكن الاختبار الحقيقي جه بعد شهور، يوم عيد ميلاد حماتي.
العيلة كلها كانت موجودة، والأكل مالي السفرة، والجو زحمة كالعاده.
وفجأة حماتي قالت بصوت عالي قدام الكل:
"إيمان… قومي شوفي العصير ناقص."
زمان… كنت هقوم تلقائي.
إنما المرة دي
رفعت عيني بهدوء وقلت: "العصير في التلاجة يا طنط… واللي عايز يشرب يجيب لنفسه."
الصالة سكتت.
حماتي وشها احمر وقالت: "هو أنا بكلم غريبة؟!"
قبل ما أرد، جوزي حط الكوباية من إيده وقال بهدوء حاسم: "ومين قال إن مراتي خدامة عند حد يا أمي؟"
الكلمة نزلت كالصاعقة.
حماتي بصتله بذهول: "إنت بتكلمني أنا كده عشانها؟"
قال بمنتهى الثبات: "لا… بكلم أي حد يحاول يقلل منها."
الكل سكت.
وأنا… لأول مرة في حياتي وسط العيلة دي… حسيت بالأمان.
مش عشان حد اتخانق عشاني.
لكن عشان الشخص اللي المفروض يكون ضهري… أخيرًا بقى ضهري فعلًا.
وفي آخر الليلة، وأنا واقفة في البلكونة باخد نفس، جت سيلفتي الكبيرة وقفت جنبي.
قالت بعد تردد: "تعرفي؟… إحنا كنا غيرانين منك."
بصيتلها باستغراب.
كملت وهي مطأطية عينها: "إنتِ كنتِ أكتر واحدة جوزها بيحبها… وإحنا كنا بنطلع نقصنا فيكي."
ضحكت ضحكة خفيفة كلها تعب سنين: "وإنتوا فاكرين إن الست القوية لازم تستحمل الإهانة وتسكت."
سكتت شوية… وبعدين قالت: "حقك علينا يا إيمان."
بصيت للسماء وقتها…
وحسيت إن قلبي أخيرًا بطل يشيل حمل بيت كامل لوحده.بعد سنة كاملة…
كان بيت العيلة مختلف تمامًا.
العزومات بقت أبسط، كل واحدة بقت تقوم تساعد من نفسها، والرجالة بقوا يشيلوا أطباقهم بإيديهم من غير ما يحسوا إن رجولتهم هتقع.
أما أنا…
فبقيت أدخل أي مكان راسي مرفوعة.

وفي يوم، كنت قاعدة مع بنتي الصغيرة وهي بتلون رسمة في الصالة، وفجأة سألتني ببراءة: "ماما… هو ليه بابا دلوقتي بيساعدك في كل حاجة؟"
بصيت لجوزي اللي كان في المطبخ بيعمل شاي، وابتسمت.
قلت لها بهدوء: "عشان الإنسان اللي بيحب حد بجد… ما يرضاش يتعبه لوحده."
جوزي سمعني، فبصلي بابتسامة فيها اعتذار متأخر وحب صادق.
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة مهمة جدًا…
إن المشكلة ماكنتش في إني بخدم أو بتعب،
المشكلة إني كنت بدي الناس حق مش حقهم… وأسكت لما كرامتي تتداس.
الاحترام مش حاجة الناس بتديهالك من نفسها.
الاحترام بيتفرض من أول مرة تقولي فيها:
"لأ… كفاية."
وفي عزومة كبيرة بعد كده بشهور، سلفي الجديد — جوز أخت جوزي الصغيرة — قال بعفوية: "فين إيمان؟ أكيد هي اللي منظمة كل حاجة هنا."
قبل ما حد يرد، حماتي نفسها قالت: "إيمان؟ دي دلوقتي ست بيت تتشال فوق الراس… وكلنا بنتعلم منها."
بصيتلها بدهشة.
يمكن ماكنتش ست سهلة، ويمكن عمرها ما هتعرف تعتذر بشكل مباشر…
لكن الزمن علّمها اللي حاولت أنا أقوله سنين: إن الطيبة من غير كرامة… بتتحول لاستغلال.
وفي آخر الليلة، وأنا راجعة البيت مع جوزي وولادي، مسك إيدي فجأة وقال: "عارفة؟… أنا بخاف أفتكر اليوم اللي كنت هخسرك فيه بسبب سكوتي."
بصيتله وقلت بابتسامة هادية: "وأنا مبسوطة إني ماخسرتش نفسي عشان أرضي حد."
ومشينا سوا…
لا خدامة وقدامها
أوامر،
ولا ست مكسورة شايلة الكل فوق قلبها…
لكن شريكين،
كل واحد فيهم شايل التاني بمحبة واحترام.

تم نسخ الرابط