كنت ساكن في بيت عيله
صدقنا ده. عمري ما فكرت حتى أقولك شكراً.
ولأول مرة حسيت إن حد منهم شايفني كبني آدمة.
قالتلي بعدها حاجة صدمتني أكتر ماما باعت دهبها.
استغربت ليه؟
قالت عشان تدفع مقدم الشقة كانت فاكرة إن أخويا هيتحمل الباقي. ولما رفض، بقت مكسورة من جواها، بس عنادها مانعها تعترف.
سكت شوية وحسيت إن الصورة اللي قدامي بدأت تكمل.
حماتي ماكنتش شيطانة وبس كانت ست طول عمرها متعودة إن السيطرة هي الأمان.
شايفة إن ابنها لو بعد عنها تبقى خسرت كل حاجة.
بس ده ماكانش معناه إني أضحي بنفسي.
تاني يوم الصبح، لقيت خبط خفيف على الباب.
فتحت لقيت حماتي واقفة لوحدها.
لا صوت عالي ولا أوامر.
بس قالت جملة واحدة هو أنا فعلًا تعبتك أوي كده؟
بصيتلها طويل وكل القهر اللي جوايا كان ممكن يطلع وقتها.
لكن بدل ما أزعق، قلت بهدوء
أيوه يا طنط تعبت.
عينها لمعت بالدموع لأول مرة أشوفها حقيقية.
وقعدت على الكنبة كأنها فجأة كبرت عشرين سنة.
وقالت بصوت مكسور أنا كنت فاكرة إن الست الشاطرة هي اللي تستحمل وتسكت زي ما أنا استحملت زمان.
وقتها فقط فهمت
إن الوجع بيتورث أحيانًا، والناس أوقات بتعيد نفس القسوة اللي اتعملت فيها من غير ما تحس.
لكن الفرق
وأنا كنت أول واحدة قالت كفاية بعد اليوم ده، العلاقة بيني وبين حماتي ما بقتش وردي فجأة
بس لأول مرة بقى فيها حدود.
هي بطلت تدخل بيتي من غير خبط، وبطلت تعتبرني البت اللي تحت أمرهم.
وأنا كمان بطلت أشيل جوايا كره وتعب السنين وأسكت لحد ما أنفجر.
لكن أكتر حاجة ماكنتش متوقعاها اللي حصل بعد شهر.
كنت قاعدة بالليل، وجوزي بيشرب الشاي جنبي، وفجأة قال أمي عيانة.
قلبي اتقبض رغم كل حاجة.
عرفت بعدها إن الضغط والسكر عندها ارتفعوا جدًا، وإنها كانت لوحدها طول اليوم لأن بناتها كل واحدة مشغولة بحياتها.
وفي اللحظة دي حسيت بإحساس غريب
مش شماتة، ولا انتصار.
بس حقيقة واضحة أوي الناس اللي بتستهلك غيرها طول عمرها، بتتفاجئ في الآخر إن محدش متعلم يشيلها.
نزلت أشوفها تاني يوم.
فتحتلي الباب ببطء، وشكلها كان مرهق بشكل صعب.
أول ما شافتني ارتبكت كأنها مستنية أعايرها أو أشمت فيها.
لكن دخلت المطبخ بهدوء، عملتلها شوربة خفيفة وحطيت دواها قدامها.
بصتلي باستغراب وقالت بعد كل اللي عملته فيكي لسه بتعمليلي كده؟
قعدت قدامها وقلت في فرق بين إني أساعدك وبين إني أضيع نفسي عشانك.
سكتت، وبعدين
رفعت عيني بصدمة.
قالت وهي بتحاول تستخبى ورا ضحكة باهتة ابني كان متعلق بيا أوي ولما اتجوزك حسيت إني بخسره. فكل ما كنت بشوفك مرتاحة أو سعيدة، كنت بحاول أتقل عليكي أكتر.
الكلام وجعني لكنه ريّح جزء كبير جوايا كان بيسأل أنا عملت إيه لكل ده؟
طلع السبب عمره ما كان أنا.
ومن بعدها، الدنيا هديت بالتدريج.
بناتها بقوا يعتمدوا على نفسهم غصب عنهم، وجوزي بقى يشيل مسؤولية البيت معايا، وحماتي بقت لما تحتاج حاجة تطلبها بذوق.
وفي يوم، كنت بنشر الغسيل في البلكونة، لقيتها بتنادي عليا من بلكونتها.
بصيتلها، قالتلي بإحراج تعالي اشربي الشاي معايا لو فاضية.
ابتسمت ابتسامة صغيرة أول ابتسامة حقيقية بينا من سنين.
ونزلت.
مش عشان رجعت أخضع ليها
لكن عشان أخيرًا بقينا نتعامل كبشر، مش ست بتأمر وست بتنفذ.
وفي طريقي لشقتها، بصيت لبيتي الصغير اللي حاربت عشانه
واكتشفت إن أعظم حاجة عملتها في حياتي، ماكنتش إني نقلت لشقة جديدة.
أعظم حاجة إني أخيرًا اتعلمت أقول لا مرت سنة كاملة
والعمارة اللي دخلتها وأنا مكسورة وخايفة، بقت شاهدة على واحدة تانية خالص.
بقيت أصحى الصبح من غير
لا حد بيأمر، ولا حد بيعتبر تعبي واجب مفروض عليا.
حماتي اتغيرت على قد ما تقدر مش ملاك طبعًا، بس بقت تفكر قبل ما تطلب، وتقول لو سمحتي بعد ما كانت الأوامر طالعة كأنها قانون.
أما بناتها، فالحياة علمتهم اللي كنت بحاول أقوله سنين.
لما كل واحدة اتجوزت أو اشتغلت، فهموا يعني إيه بيت ومسؤولية وتعب.
وفي يوم، بنت حماتي الصغيرة جتلي وهي متوترة وقالت أنا عايزة أقولك حاجة أنا زمان كنت فاكرة إنك ضعيفة عشان ساكتة. بس دلوقتي فهمت إنك كنتِ أقوى واحدة فينا.
الكلمة دي خلت عيني تدمع لأن محدش طول عمري شاف تعبي بالشكل ده.
لكن النهاية الحقيقية بدأت في ليلة هادية جدًا.
كنت قاعدة في البلكونة، والهواء داخل عليّا، وجوزي جنبي.
بصلي وقال فاكرة يوم ما أمي أجرت الشقة هنا؟ كنت فاكر إن بيتنا هيخرب.
ابتسمت وقلت وأنا كمان.
ضحك وقال بس اللي حصل إننا أخيرًا بقينا عيلة بجد.
سكت شوية، وبعدين مسك إيدي وقال شكرًا إنك ما سيبتنيش أعيش أعمى أكتر من كده.
بصيت للسما وقتها وحسيت براحة عمري ما دوقتها.
لأن النهاية ما كانتش إن حماتي اتغيرت.
ولا إن الكل اعتذر.
النهاية الحقيقية
إني بطلت أقبل أقل من احترامي.
وإن الست اللي كانت بتخاف تقول لا
بقت ست كاملة، عارفة قيمتها كويس أوي.