بقالك عشرين يوم نايمة في العسل
مش مصدقة إنه أخيرًا اختار يقف جنبها.
اعتماد قعدت على الكرسي وهي بتضرب على رجليها أهو ده جزاي ربيت وكبرت وفي الآخر ياخدوه مني!
لكن رائد قرب منها وباس إيدها عمرك ما هتخسريني يا أمي بس يا إما نحترم بعض، يا إما البعد أرحم.
عدّى أسبوع
ورائد بالفعل أخد شقة إيجار صغيرة قريبة من شغله. مش فخمة، ولا واسعة، لكن أول مرة صافية تحس إنها مرتاحة. تصحى وقت ما تحب، تعمل قهوتها بهدوء، وتضحك من قلبها من غير خوف من كلمة تجرحها.
وفي يوم، وهي بتنضف الدولاب، لقت رائد داخل شايل شنطة كبيرة.
صافية باستغراب إيه ده؟
رائد ابتسم فتحّيها.
فتحت الشنطة واتصدمت.
كانت نفس العباية البيضا لكن جديدة تمامًا، ومعاها اتنين كمان أفخم منها.
بصتله ودموعها نزلت ليه تعبت نفسك؟
رائد مسك وشها بين إيديه عشان أوعدك أي حاجة تنكسر جواكي بسببي، هفضل أصلحها طول عمري.
صافية وهي بتعيط، لكن المرة دي ماكنتش دموع قهر
كانت دموع واحدة أخيرًا حست إنها متشافه ومختارة بعدها بشهرين، حياة صافية بدأت تهدى شوية. بقت تضحك أكتر، تهتم ببيتها الصغير، وتستنى رائد يرجع من الشغل عشان ياكلوا سوا ويتفرجوا على فيلم زي أي اتنين بيحبوا بعض بجد.
لكن اللي صافية ماكنتش تعرفه إن اعتماد عمرها ما نسيت إنها خدت ابنها منها.
وفي يوم الجمعة، رائد قال لصافية وهو بيلبس يالا يا حبيبتي، أمي عزمانا على الغدا النهاردة.
صافية وشها اتغير فورًا لا يا رائد بالله عليك بلاش. أنا مش ناقصة وجع قلب.
رائد قرب منها أمي اتغيرت يا صافية ومن يوم ما مشينا وهي كل شوية تسأل عليكي. إدّيها فرصة.
صافية وافقت بالعافية عشان خاطر رائد وبس.
دخلوا بيت العيلة، واعتماد استقبلتهم بابتسامة واسعة غريبة على وشها يا أهلاً يا أهلاً نور البيت رجع.
صافية استغربت، لكن حاولت تكون هادية.
سعاد كانت قاعدة في الصالة، وبمجرد ما شافت صافية، رسمت ابتسامة مصطنعة إزيك يا
الكلمة نفسها خلت صافية تحس بعدم ارتياح.
الغدا عدى بهدوء غريب، وده اللي خوف صافية أكتر. اعتماد بنفسها كانت بتحطلها الأكل في طبقها وتسألها إذا كانت محتاجة حاجة.
ولأول مرة صافية بدأت تقول لنفسها يمكن فعلًا الأمور اتحسنت.
لكن وهي داخلة المطبخ تساعد في لمّ السفرة، سمعت صوت سعاد جاي من البلكونة وهي بتتكلم في التليفون
متقلقش كله ماشي زي ما ماما قالت. هنصالحها كام يوم لحد ما الحمل يثبت وبعدين نرجعها هنا غصب عنها.
صافية اتجمدت مكانها.
الحمل؟!
إيديها بدأت ترتعش لأنها فعلًا كانت لسه عارفة من يومين إنها حامل، ولسه ماقالتش لحد غير رائد.
يعني هما عرفوا إزاي؟!
وفي اللحظة دي، افتكرت
اختبار الحمل اللي كانت مخبياه في درج الكومود، يوم ما اعتماد دخلت شقتها تجيب حاجة وقت ما كانوا لسه بينقلوا.
قلبها دق بعنف.
ورجعت خطوة لورا بهدوء قبل ما سعاد تشوفها.
لكن الصدمة الأكبر إنها سمعت صوت اعتماد بنفسها
لازم ترجع هنا. حفيدي هيتربى تحت عيني، مش بعيد عني. والبنت دي لازم تفهم إن جوازها من رائد مش معناه إنها خطفته مننا.
صافية حست إن نفسها بيتسحب منها.
يعني كل الطيبة دي كانت تمثيل؟
رجعت الصالة ووشها شاحب.
رائد أول ما شافها قام بسرعة مالك يا صافية؟
بصتله ثواني وكانت عينيها مليانة خذلان.
وقالت بصوت مكسور إنت كنت عارف؟رائد اتصدم من السؤال، وقام وقف بسرعة عارف إيه؟
صافية ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة، ودموعها بدأت تنزل عارف إني حامل وإن أمك وأختك بيخططوا يرجعوني هنا بالعافية عشان الطفل.
اعتماد خرجت من المطبخ متوترة إيه اللي بتقوليه ده يا بنت؟
لكن صافية كانت خلاص فقدت قدرتها على السكوت سمعت كل حاجة. سمعتكم وإنتوا بتتكلموا عليا كأني واحدة مالهاش رأي ولا بيت ولا كرامة!
رائد لف لأمه بصدمة أمي الكلام ده حقيقي؟
اعتماد حاولت تبرر بسرعة يا ابني أنا خايفة عليكم! دي أول
صافية بصتلها بوجع وسطكم؟ وسط الإهانة؟ وسط التحكم؟ أنا كنت بموت هنا بالبطيء يا عمتي.
سعاد اتدخلت بحدة يا سلام! قلبتي نفسك ضحية أوي.
رائد صرخ فيها لأول مرة سعاد! كلمة كمان وهتخرجي برا الكلام ده خالص.
الصالة سكتت.
ورائد قرب من صافية والله ما كنت أعرف إنك حامل أصلًا كنتِ ناوية تقوليلي إمتى؟
صافية بصتله بعين مليانة خوف كنت مستنية أحس بالأمان الأول.
الجملة نزلت على رائد كأنها صفعة.
لأنه فهم في اللحظة دي إن مراته، رغم حبها ليه، عمرها ما حست إنه حماها بالكامل.
رائد أخد نفس طويل، وبعدها مسك إيد صافية قدامهم كلهم إسمعوا بقى ابني هيتربى في بيت أمه وأبوه، مش في ساحة حرب. وصافية مش هترجع تعيش هنا مهما حصل.
اعتماد بدأت تعيط يعني هتحرمني من حفيدي؟
رائد رد بهدوء اللي يحرم نفسه بنفسه هو اللي يجرح الناس ويكسرهم.
صافية كانت واقفة ساكتة، قلبها بيدق بسرعة، ومشاعر كتير متلخبطة جواها. لأول مرة تحس إن رائد مش بس بيحبها لأ، ده بيختارها.
مسكت بطنها بخفة، وكأنها بتحمي طفلها من كل التوتر ده.
وبعد لحظات صمت، قالت بهدوء أنا عمري ما كنت عايزة أبعدك عن أمك يا رائد كنت بس عايزة بيت أتحب فيه.
رائد قدامهم كلهم وده حقي أديهولك وحق ابننا كمان.
اعتماد بصتلهم، والندم بدأ يظهر لأول مرة بصدق على وشها. لأنها فجأة استوعبت إن خوفها المرضي على ابنها خلاها تخسره فعلًا.
أما سعاد فكانت واقفة ساكتة، لأن لأول مرة محدش واقف في صفها.
ورائد أخد صافية ومشى.
لكن
قبل ما يقفل الباب، بص لأمه وقال لما تتعلموا تحبوا صافية من غير ما تكسروا روحها وقتها بس هرجع أخبط باب البيت ده تاني.
واتقفل الباب
المرة دي، مش بزعل ابن على أمه.
لكن بنهاية زمن كامل من السكوت عدّت الشهور وصافية بطنها كبرت، ومع كل يوم كان خوفها بيقل شوية، خصوصًا بعد ما رائد اتغير فعلًا. بقى يرجع بدري
ولأول مرة من يوم جوازهم صافية حست إن عندها بيت.
أما اعتماد، فالوحدة بدأت تاكلها. رائد بقى يزورها على فترات متباعدة، وسعاد اتخطبت وانشغلت بحياتها، والبيت اللي كان مليان صوت وسيطرة بقى هادي بشكل موجع.
وفي ليلة شتوية، تليفون رائد رن بعنف.
كان صوت سعاد، لكن المرة دي كان مرعوب إلحق يا رائد ماما وقعت ومش قادرة تتنفس!
رائد جري هو وصافية على المستشفى.
ولما وصلوا، لقوا اعتماد على سرير الطوارئ، وشها شاحب وضعيف لأول مرة. الست الحديدية اللي كانت بترعب الكل باينة مكسورة.
الدكتور خرج وقال جلطة بسيطة والحمد لله عدّت على خير لكن حالتها النفسية سيئة جدًا.
رائد دخل لأمه، وصافية وقفت بعيد بتردد.
اعتماد أول ما شافت ابنها، عيطت زي الأطفال سامحني يا رائد أنا خوفت أخسرك، فقمت خسرتك فعلًا.
رائد باس راسها إنتِ أمي يا أمي عمرك ما هتخسريني.
اعتماد بصت ناحية الباب، وشافت صافية واقفة.
وساعتها لأول مرة، مدت إيدها لها بنفسها.
صافية قربت ببطء.
اعتماد مسكت إيدها المرتعشة وقالت بصوت ضعيف أنا ظلمتك يا بنتي كسرتك بدل ما أحتويكي. سامحيني لو تقدري.
الدموع نزلت من عين صافية، لأنها طول عمرها كانت مستنية الكلمة دي.
وقالت بهدوء أنا عمري ما كرهتك يا عمتي كنت بس عايزة تحسيني بنتك. وبكت.
وبعد شهر
البيت كله كان متجمع في المستشفى مرة تانية، لكن المرة دي مش خوف
المرة دي فرحة.
صافية ولدت ولد صغير، شبه رائد جدًا.
واعتماد شالته بين إيديها وهي بتعيط وتضحك حفيد قلبي
وبصت لصافية وقالت قدام الكل دي مش مرات ابني دي بنتي اللي ربنا رجعهالي.
سعاد ضحكت وهي بتهزر خلاص يا جماعة، ماما بقت أحن واحدة في مصر.
والكل ضحك.
أما رائد، فكان واقف يبص لصافية وابنهم، وحاسس إن كل التعب والوجع اللي عدّوا بيه كان
نهاية فيها بيت اتبنى من جديد
بس المرة دي، على الاحترام والحب، مش على السيطرة والخوف.