ابويا كان متجوز على امى

لمحة نيوز

قدامها بيقول أنا ظلمتك.
أمي ردت بمنتهى الثبات أعرف.
قال ممكن تسامحيني؟
بصتله ثواني وقالت
السموحية حاجة والرجوع حاجة تانية يا عبد السميع.
وبعدين سابتنا كلنا واقفين ومشيت بعد الجلسة الأولى، البيت بقى غريب جدًا
هادئ بزيادة. مفيش صوت تليفزيون عالي. مفيش خناق مكتوم. حتى ريحة الأكل بقت مختلفة.
أمي بقت تقوم الفجر، تصلي، وتشرب قهوتها في البلكونة وهي ساكتة. لكن المرة دي سكاتها ماكنش وجع. كان راحة.
أما أبويا فكان بيذبل يوم عن يوم.
بقى يرجع البيت بدري. يقعد يبص على باب أوضتها المقفول. وأحيانًا كنت أصحى بالليل ألاقيه واقف قدام الدولاب القديم اللي فيه الكوفية الصوف.
الكوفية اللي أمي عملتها بإيدها وفكّتها لما رفضها.
في مرة شوفته ماسكها وبيبكي.
أول مرة أشوف أبويا بيعيط.
قالي أمك كانت بتحبني أوي يا أمنية وأنا افتكرت إن ده مضمون.
ماعرفتش أرد.
بعدها بأيام، حصلت الصدمة التانية
هالة جت البيت لوحدها.
وشها كان أصفر، وعينيها غرقانين دموع.
أمي فتحتلها الباب بنفسها.
البنت أول ما شافتها وقعت تبوس إيدها والله ما كنت أعرف يا طنط والله لو كنت أعرف ما كنت ناديتله بابا قدامك يوم.
أمي حاولت تقومها قومي يا بنتي.
بس هالة كانت منهارة أنا اتطلقت.
أنا اتصدمت إيه؟!
قالت وهي بتعيط جوزي عرف بكل حاجة قال إني بنت علاقة قذرة، وإنه عمره ما هيخلف من واحدة أبوها
خان مراته 25 سنة.
الكلمة نزلت على أمي زي السكينة.
لأول مرة شفت وشها اتكسر.
قعدتها جنبها ومسكت إيدها.
وقالت بهدوء ذنوب الأهل ما تتشالش في رقبة العيال.
هالة كانت بترتعش بس الناس مش بتفكر كده.
وفي اللحظة دي دخل أبويا.
أول ما شاف هالة بالحالة دي فهم.
قرب منها مالك يا بنتي؟
هالة قامت مرة واحدة وصرخت فيه إنت دمرت حياتنا كلنا!
الصوت رج البيت.
لا عرفت تخلي مراتك سعيدة ولا ست تانية مرتاحة ولا حتى سيبتنا نعيش طبيعي!
أبويا وقف ساكت كأنه بيتجلد بكل كلمة.
هالة كانت بتنهار أنا طول عمري كنت فخورة إنك بتعاملني زي بنتك طلعت السبب إن الناس تعايرني!
وفجأة أمي قامت .
وقالت كفاية البنت مش ناقصة كسر.
أنا وقتها فهمت حاجة غريبة جدًا
أمي رغم كل الوجع عمرها ما كان عندها حقد على البنات.
كل غضبها كان ناحية الراجل اللي خانها.
بعد الليلة دي، هالة بدأت تيجي لأمي كتير. تقعد معاها في المطبخ. تتعلم منها الطبيخ. وتعيط ساعات وهي بتحكي عن كلام الناس.
وأمي؟ كانت تسمع بس.
أما هبة، فاختفت فترة كاملة.
سمعنا بعدها إنها سابت الكلية وسافرت عند خالتها في إسكندرية بعد ما دخلت في اكتئاب شديد.
وأبويا بدأ يخسر كل حاجة بالتدريج.
القضايا خلت سمعته في الشغل تهتز. ناس كتير بعدت عنه. حتى صحابه اللي كانوا بيقعدوا معاه كل ليلة اختفوا.
وفي يوم رجعت البيت لقيته قاعد قدام أوضة
أمي.
ماسِك ورقة.
قاللي دي أول رسالة كتبتها لأمك وأنا خاطبها.
أخدتها منه كانت ورقة صفرا قديمة، مكتوب فيها
لهدى وعد مني إني عمري ما أوجع قلبك.
بصلي وقال الوعد الوحيد اللي فشلت فيه.
وفي نفس الليلة أمي طلبت مني أقعد معاها.
قالتلي أمنية لو أبوكي تعب، متسبيهوش لوحده.
استغربت بعد كل اللي عمله؟
قالت وهي باصة للسقف أصل الكراهية بتاكل صاحبها يا بنتي وأنا تعبت من الأكل ده.
سكتت شوية وبعدين ابتسمت لأول مرة من قلبها.
وقالت أنا خلاص شبعت وجع بعد شهور من القضايا والجلسات والكلام اللي مالي الحارة كلها الحكم أخيرًا صدر.
الطلاق تم رسمي.
وأمي خدت حقها كامل. نص البيت، ومستحقاتها، وتعويض كبير بسبب إخفاء الممتلكات.
الناس كلها كانت مستنية تشوفها وهي منتصرة تزغرد، تشمت، أو حتى تفضحه أكتر.
لكن أمي عملت حاجة محدش توقعها.
رجعت البيت بعد آخر جلسة، قلعت الطرحة، وفكت شعرها، ودخلت المطبخ تعمل رز بلبن.
كأنها رجعت لنفسها القديمة بس أخف.
أما أبويا فكان شبه راجل اتسحب منه عمره كله مرة واحدة.
ساب الشغل بعدها بسنة بحجة المرض. ومبقاش يخرج كتير.
الغريب إن مدام إسعاد كمان بعدت عنه. يمكن لأنها اكتشفت إن الراجل اللي خان مرة ممكن يخون ألف مرة.
فضل لوحده لأول مرة في حياته.
وفي يوم شتا، وأنا راجعة من الشغل، لقيته قاعد في البلكونة متغطي بالكوفية الصوف القديمة الكوفية
اللي أمي عملتها بإيدها من 20 سنة.
بصلي وقال أمك فين؟
قلتله عند خالتي.
سكت شوية وبعدين قال عارفة يا أمنية أكتر حاجة كسرتني إنها عمرها ما شتمتني.
بصيتله مستنية يكمل.
قال الست لما تكره بجد بتبقى هادية.
بعدها بأسابيع، تعب جدًا. ضغط وسكر وقلبه دخلوا في بعض.
وأمي؟ أول ما عرفت، راحتله المستشفى فورًا.
أنا كنت فاكرة إنها هتدخل تشمت أو حتى تبقى باردة.
لكنها دخلت بهدوء، وعدلت له البطانية، وسألته إذا كان أخد دواه.
أبويا بصلها وقتها بعيون مليانة ندم وقال أنا ضيعتك من إيدي.
أمي ردت بمنتهى البساطة أيوه بس النصيب خلص.
ولأول مرة أبويا بكى قدامها بدون ما يستخبى.
مسك إيدها وقال لو رجع بيا الزمن، كنت اخترتك كل يوم.
أمي سحبت إيدها برفق وقالت الجملة اللي فضلت محفورة جوايا لحد النهارده
بس الزمن مرجعش يا عبد السميع وعشان كده لازم الإنسان يخاف وهو بيكسر قلب حد بيحبه.
بعدها بشهور، أبويا مات بهدوء في النوم.
في جنازته هالة وهبة كانوا واقفين جنبنا. وبيعيطوا كأنهم فقدوا أبوهم بجد لأنهم فعلًا كانوا شايفينه كده.
وأمي؟
حضرت الجنازة كاملة بثبات. لا صريخ. لا انهيار.
بس وهي ماشية بعد الدفن، شفتها تبص للقبر وتهمس بصوت واطي
سامحتك عشان أعرف أعيش اللي باقيلي مرتاحة.
النهارده أمي عندها 53 سنة.
اتعلمت تسوق. وسافرت أسوان لأول مرة. وبقت تضحك من قلبها وهي
بتسقي
الزرع في البلكونة الصبح.
أما الكوفية الصوف فلسه عندها.
بس المرة دي، هي اللي بتلبسها.

تم نسخ الرابط