أنفق صانع احذيه فقير كل مدخراته

لمحة نيوز

عادت بالإيصال، صُدم. ومنذ ذلك اليوم بدأ يخاف منها لأنها كانت أذكى وأقوى مما توقع.
سكتت قليلًا ثم أضافت بعد سنوات، تركنا ورحل أما أنا، فكنت أدعو لك كل ليلة دون أن أعرف أين أنت.
خفض صامويل رأسه والدموع تلمع في عينيه.
وفي تلك اللحظة دخلت إيفلين الغرفة بعدما سمعت الحديث كله.
اقتربت من أمها، ثم جلست عند قدمي صامويل وقالت تعرف ما أكثر شيء كنت أخافه وأنا صغيرة؟.
همس ماذا يا ابنتي؟.
قالت أن أكبر وأصبح مثل الناس الذين مرّوا بي وأنا أبكي ولم يتوقفوا.
ثم رفعت رأسها وابتسمت لكنّك أنقذتني من ذلك أيضًا.
مرت سنوات أخرى
وفي كل عام، كانت إيفلين تدفع رسوم الدراسة لعشرات الأطفال الفقراء باسم صامويل.
أما هو، فكان يجلس كل صباح أمام محله الجديد، يراقب الأطفال بزيّهم المدرسي وهم يضحكون في الطريق.
وكلما مرّ طفل يحمل حقيبة قديمة أو حذاءً ممزقًا كان يناديه مبتسمًا
تعال يا صغيري لا أحد يجب أن يتوقف عن الدراسة بسبب المال وذات صباح، بينما كان صامويل جالسًا أمام المحل يحتسي الشاي، توقفت أمامه فتاة
صغيرة لا تتجاوز العاشرة.
كان حذاؤها ممزقًا من الأمام، وشعرها مبتلًا بالمطر، لكنها كانت تحاول أن تخفي ارتباكها بابتسامة صغيرة.
قالت بخجل عمي هل يمكن أن تصلح حذائي؟ لكن ليس معي مال الآن.
ابتسم صامويل فورًا، وكأن الزمن عاد به سنوات طويلة إلى الوراء.
أخذ الحذاء منها وقال ومن قال إن كل شيء يُدفع ثمنه بالنقود؟.
جلست الطفلة على المقعد الخشبي تراقبه وهو يعمل، ثم سألته هل صحيح أنك ساعدت طبيبة مشهورة عندما كانت صغيرة؟.
ضحك بخفة يبدو أن أهل الحي لا يملّون من الحكايات.
أجابت بحماس أريد أن أصبح طبيبة مثلها.
توقف صامويل للحظة، ثم نظر إليها بعينين دافئتين وقال إذن اعتبري الحذاء أول استثمار في مستقبلك يا دكتورة.
في تلك اللحظة، وصلت إيفلين إلى المحل.
كانت تحمل ملفات ومستندات، لكنها توقفت عندما رأت الطفلة.
اقتربت منها وسألت وما اسم الطبيبة المستقبلية؟.
وقفت الصغيرة مرتبكة وقالت اسمي ميرا.
ابتسمت إيفلين وجلست بجانبها، ثم سألتها عن مدرستها وحياتها. وبعد دقائق قليلة، اكتشفت أن ميرا تعيش الظروف
نفسها تقريبًا التي عاشتها هي يومًا ما أم مريضة، وأب متوفى، ورسوم مدرسية متأخرة.
نظرت إيفلين إلى صامويل، فوجدته يبتسم بصمت.
كان يعرف تلك النظرة جيدًا
إنها النظرة نفسها التي جعلته يومًا يخرج آخر ما يملك لينقذ طفلة تبكي في الطريق.
تنهدت إيفلين، ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا أبيض ووضعته في يد ميرا.
قالت الطفلة بدهشة ما هذا؟.
أجابت إيفلين رسوم دراستك لهذا العام بالكامل.
اتسعت عينا ميرا وبدأت تبكي.
أما صامويل، فجلس يراقبهما بصمت، ثم رفع وجهه نحو السماء وكأن قلبه امتلأ بشيء لم يعرفه من قبل.
لأن الخير الذي منحه يومًا لطفلة واحدة لم ينتهِ عندها أبدًا.
بل كبر وانتقل من قلبٍ إلى قلب، حتى صار حياةً كاملة تتغير بسبب لحظة رحمة واحدة وفي مساء شتوي هادئ، شعر صامويل بتعبٍ شديد لأول مرة منذ أشهر.
أصرّت إيفلين على نقله إلى المستشفى، لكنه أمسك يدها برفق وقال مبتسمًا لا تخافي يا ابنتي أنا فقط متعب قليلًا.
جلست بجانبه طوال الليل، كما لو أن الأدوار انعكست أخيرًا هو الذي حماها يومًا، وهي التي تخاف
الآن أن تخسره.
وقبل الفجر بقليل، فتح صامويل عينيه بصعوبة وقال هل تعلمين ما أجمل شيء حدث لي في حياتي؟.
بكت إيفلين وهي تهز رأسها.
فهمس أنني لم أدع طفلة تبكي وحدها في الطريق.
ثم أخرج من تحت وسادته ظرفًا قديمًا صغيرًا.
فتحته إيفلين بيدين مرتجفتين، فوجدت داخله الإيصال نفسه الذي دفع به رسومها قبل سنوات كان قد احتفظ بنسخة منه طوال عمره.
وفي الخلف، كتب بخطٍ متعب
إذا ساعدك الله يومًا على الوقوف ساعدي غيرك على النهوض.
لم تتمالك إيفلين نفسها، وانحنت تبكي فوق يده.
أما صامويل فابتسم للمرة الأخيرة، وأغمض عينيه بهدوء.
رحل الرجل الفقير الذي لم يملك يومًا مالًا كثيرًا لكنه ترك خلفه ثروةً من الرحمة غيّرت حياة أناس لا يُحصَون.
وبعد أشهر، افتتحت إيفلين مؤسسة كبيرة باسم مؤسسة صامويل للتعليم والرحمة.
كانت تدفع رسوم آلاف الأطفال، وتوفّر لهم الكتب والعلاج والطعام.
وعند مدخل المؤسسة، علّقت صورة قديمة لرجلٍ بسيط يجلس داخل كشك خشبي صغير، وأسفلها عبارة واحدة
أحيانًا يغيّر شخصٌ واحد حياةَ العالم،
فقط لأنه توقّف ليسأل طفلًا يبكي ما بك يا صغيري؟.

تم نسخ الرابط