ارضعت طفل زوجى السابق
المحتويات
تؤلمني.
ظل مأمون واقفًا بصمت طويل، ثم قال أعرف أنكِ ستكرهينني بقية عمرك لكن خذيه. هو ابنكِ.
مسحتُ دموعي ببطء.
ثم سألته السؤال الذي كان يحترق داخلي لماذا جئتَ الليلة تحديدًا؟
ساد الصمت ثانية.
لكن هذه المرة كان أثقل.
قال أخيرًا لأن والد ست البنات مات أمس.
تجمّدتُ.
وأكمل والممرضة اختفت. والمستشفى بدأت تحقق داخليًا بعدما تسرّبت القصة. لو انتظرتُ أكثر ربما كانوا سيأخذون الطفل مني بالقانون قبل أن تعرفي الحقيقة.
نظرتُ إلى طه النائم فوق صدري.
ثم إلى سريره الصغير في زاوية الغرفة السرير الذي لم أملك شجاعة تفكيكه.
وكأن البيت كله كان ينتظر عودته.
همستُ لن يأخذه أحد مني بعد اليوم.
اقترب مأمون أخيرًا، ووضع على الطاولة ملفًا بنيًا قديمًا.
قال هذه نتائج التحاليل وشهادة الممرضة قبل اختفائها وكل شيء يثبت الحقيقة.
ثم اتجه نحو الباب.
توقف للحظة دون أن يلتفت عادل زوجكِ كان يعرف.
شعرتُ ببرودة تجتاح أطرافي.
استدرتُ نحوه بسرعة ماذا؟!
قال بصوت مكسور لهذا ترككِ. حاول الوصول للحقيقة قبلي. وعندما عرف أن هناك تلاعبًا بدأ يهدد المستشفى بالشرطة. بعدها بأيام اختفى.
شهقتُ اختفى؟! أنت قلت إنه رحل!
أجاب دون أن ينظر إليّ لأنه لم يعد إلى بيته منذ ذلك اليوم يا مريم.
ثم فتح الباب وغادر.
وبقيتُ وحدي
أضم طفلي إلى صدري
بينما فكرة واحدة فقط كانت تدور داخل رأسي كالرصاص
إذا كان عادل لم يتركني بإرادته
فأين
كانت قطرات المطر تضرب الباب المفتوح خلف مأمون، بينما كلماته الأخيرة تردد صداها داخل رأسي
لم يعد إلى بيته منذ ذلك اليوم.
أغلقتُ الباب بسرعة كأنني أحاول منع الحقيقة من الدخول.
ثم نظرتُ إلى طفلي.
إلى طه.
كان نائمًا فوق صدري بسلامٍ لا يشبه الفوضى التي انفجرت داخلي.
مشيتُ ببطء نحو الكنبة وجلست، وعيناي لا تفارقان الملف البني على الطاولة.
لم أرد فتحه.
بعض الحقائق حين تُفتح لا يعود الإنسان كما كان بعدها أبدًا.
لكن يدي امتدت وحدها.
فتحتُ الملف.
أوراق مستشفى. نسخ شهادات. نتائج تحليل DNA.
وصورة.
شهقتُ فور رؤيتها.
عادل.
زوجي.
كان واقفًا أمام بوابة مستشفى الخرطوم بحري، يصرخ في وجه رجل أعرفه جيدًا
والد ست البنات.
خلف الصورة تاريخ يعود إلى قبل اختفائه بيومين فقط.
وتحتها بخط مرتجف إذا حدث لي شيء فاسألوا إدارة المستشفى.
ارتجفت أصابعي.
ثم وجدتُ ظرفًا صغيرًا داخل الملف.
مغلقًا باسمي.
فتحته بسرعة.
وكانت الرسالة بخط عادل.
مريم إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلت.
سامحيني لأنني لم أخبركِ بالحقيقة منذ البداية. كنتِ بالكاد تتنفسين بعد موت طه، ولم أستطع أن أزرع داخلكِ أملًا قد يُسحق إن كنتُ مخطئًا.
لكنني رأيت الطفل.
رأيته بعيني داخل حضّانة المستشفى.
وكان يحمل اسمًا مختلفًا لكن العلامة خلف أذنه كانت نفسها التي كنتِ تخبرينني عنها كل ليلة.
حاولتُ
وعندما بدأتُ أقترب من الحقيقة بدأوا يراقبونني.
إذا اختفيتُ لا تثقي بأحد.
توقفتُ عن القراءة لأن دموعي حجبت السطور.
ضممتُ الرسالة إلى صدري، وأنا أرتجف بالكامل.
عادل لم يتركني.
كان يحاول إعادة ابني إليّ.
وفجأة
صدر صوت طرقٍ عنيف على الباب.
انتفضتُ.
الساعة تجاوزت منتصف الليل.
والحيّ كله غارق في المطر والظلام.
عاد الطرق مرة أخرى، أقوى هذه المرة.
وضعتُ طه داخل البطانية بحذر، ثم تقدمتُ نحو الباب وقلبي يكاد يخرج من صدري.
سألتُ بصوت مرتجف من؟
جاءني صوت خافت من الخارج افتحي يا مدام مريم بسرعة.
لم أعرف الصوت.
لكن شيئًا داخلي أخبرني بالخطر.
تراجعتُ خطوة.
ثم جاء الصوت مجددًا، هذه المرة وهو يلهث أنا سامر كنت أعمل مع عادل.
تجمّدتُ.
فتحتُ الباب نصف فتحة فقط.
كان رجلًا مبتلًا بالكامل، يتلفت حوله بعصبية.
قال بسرعة اقفلي الباب هم عرفوا أن مأمون جاء هنا.
شعرتُ ببرودة حادة تسري في ظهري.
أدخلته بسرعة وأغلقتُ الباب.
نظر إلى الطفل النائم، ثم إليّ، وقال إذًا وصل إليكِ أخيرًا.
اقتربتُ منه أين عادل؟!
صمت لثوانٍ.
ثم قال الجملة التي حطمت آخر جزء ثابت داخلي
عادل حي لكنهم يحتجزونه منذ شهرين شهقتُ بقوة حتى شعرتُ أن الهواء مزّق صدري.
حي؟!
هزّ سامر رأسه بسرعة، وعيناه تتحركان بقلق نحو النوافذ.
بصوت واطي يا مدام مريم الوقت ضيق.
أمسكتُ
ابتلع ريقه وقال ناس تابعين لوالد ست البنات كانوا يشتغلوا معه من زمان. بعد ما بدأ عادل يفتّش في سجلات المستشفى، عرفوا أنه وصل للحقيقة. حاولوا يخوفوه، لكنه أصرّ يبلغ الشرطة والصحافة.
تجمدت الدماء في عروقي.
قال سامر آخر مرة شفته فيها، كان محتجز داخل مزرعة قديمة بطرف أم درمان. كنت أوصل لهم أدوية ومستلزمات ما قدرت أساعده وقتها، لكن بعد موت الحاج أمس، الجماعة اتلخبطوا. الليلة فرصتنا الوحيدة.
نظرتُ إلى طه النائم.
ثم إلى رسالة عادل المرتجفة بين يدي.
شعرتُ بأن العالم كله يدور حولي بسرعة مخيفة.
قبل ساعات فقط كنت امرأة تظن نفسها وحيدة ومكسورة.
والآن ابني حي. وزوجي لم يخنّي. ورجل قد يكون معذبًا منذ شهرين بسببي.
قال سامر بحدة لازم نتحرك الآن قبل ما ينقلوه.
رفعتُ عيني إليه وأنا سأذهب معك.
اعترض فورًا مستحيل. المكان خطر.
قلتُ بصوت حاسم لأول مرة منذ شهور عادل خاطر بحياته من أجلي لن أبقى هنا.
ساد الصمت لحظة.
ثم نظر إلى الطفل وقال والولد؟
التفتُّ نحو سرير طه الصغير.
كان يتحرك أثناء نومه، وكأنّه يشعر بكل شيء.
اقتربتُ منه، ووضعتُ يدي على صدره الصغير.
ثم همست سأعيد أباك إلينا.
لففته جيدًا داخل البطانية، وحملته بين ذراعي.
نظر سامر إليّ بدهشة ستأخذينه معك؟!
أجبته دون تردد لن أتركه ثانيةً ولو للحظة واحدة.
بعد نصف ساعة
كانت سيارة سامر القديمة تشقّ
المدينة بدت كأنها تختبئ داخل الضباب.
وأنا في المقعد الخلفي، أضم طه إلى
متابعة القراءة