ماما عايزك تمثلى انك تعبانه
لكنها رفعت إيدها توقفه متأخر.
طلعت موبايلها، واتصلت بمحاميها قدامه.
أيوة يا أستاذ كريم؟ أيوة أنا في الشقة دلوقتي، وكل اللي اتفقنا عليه حصل بالحرف.
اتسعت عينه محامي؟!
قالت بثبات أيوة. من يوم ما بدأت تبعد وتكذب كنت بحمي نفسي.
وبعدين بصت للصنايعية يا جماعة، أي حاجة اتكسرت هنا هتتحاسب قانوني.
خلال دقائق، المكان كله اتقلب.
العمال وقفوا شغل. المقاول انسحب. والرجل اللي كان من شوية واقف يحطها قدام الأمر الواقع بقى هو اللي واقف عاجز.
أما الصدمة الأخيرة
فكانت لما الأم قامت ببطء، وخلعت السلسلة الدهب من رقبتها وحطتها في إيد حنين.
دي شبكتي اللي أبويا جابهالي يوم فرحي كنت ناوية أديهالك يوم ما ربنا يكرمك وتفرحي ببنتك. خديها حقك عليا.
حنين انفجرت في البكاء، وحضنت حماتها بقوة.
أما هو
فوقف لوحده وسط التراب والتكسير، يسمع صوت باب الشقة وهو بيتقفل خلفهم
ويفهم متأخر جدًا
إن أكتر حاجة خسرها، ماكنتش الشقة.
كانت الإنسانة الوحيدة اللي حبته بصدق مرّ أسبوع
والشقة بقت ساكتة بشكل يخوف.
لا صوت حنين وهي بتغني في المطبخ. لا ريحة أكل. لا ضحكة ليلى وهي بتجري في الصالة.
كان قاعد وسط نص تشطيب ونص خراب، يبص للحائط المكسور ويحاول يقنع نفسه إنه مرتاح.
لكن الحقيقة كانت غير كده.
العروسة
كل يوم طلبات. كل يوم خناقة. وكل مرة تقوله ببرود أنا مش جاية أخدم حد ولا أعيش في بيت فيه مشاكل وطليقة ومحاكم.
أما أمه فمن يوم اللي حصل وهي رافضة تكلمه.
كل ما يحاول يدخل أوضتها، تدير وشها الناحية التانية.
وفي ليلة متأخرة، سمعها بتعيط وهي بتقول لجارتها كسرت قلب بنت ملهاش ذنب وربنا شاهد إني ندمانة.
الكلام وجعه لكن كبرياءه كان لسه ماسكه.
لحد ما جه اليوم اللي قلب كل حاجة.
كان خارج من المحكمة بعد جلسة النفقة والتعويض، والمحامي قاله بوضوح وضعك القانوني ضعيف جدًا التسجيل ضدك، والشقة باسمها، ولو كملت بعناد هتخسر أكتر.
خرج مخنوق، ركب عربيته وساق من غير هدف.
وفجأة شاف حنين.
كانت واقفة قدام حضانة ليلى، ماسكة إيد بنتها وبتضحك.
لكن اللي صدمه إن الضحكة دي كانت حقيقية.
مش مكسورة. مش ضعيفة.
ولأول مرة يستوعب إنها قدرت تعيش من غيره.
فضل يبص لها من بعيد، وقلبه يوجعه أكتر لما شاف ليلى تجري وتحضن شاب واقف جنبهم.
الراجل نزل لمستوى البنت، شالها وهو بيضحك، وبعدين بص لحنين بنظرة كلها احترام وهدوء.
إيده اتقبضت بعنف.
نزل من العربية بسرعة، وصوته خرج حاد مين ده؟!
حنين اتفاجئت، لكن تماسكت فورًا ده أستاذ سيف المحامي اللي ساعدني أفتح المشروع.
بصلها
ابتسمت بهدوء أيوة الفلوس اللي كنت فاكر إني ضعيفة من غيرها، عملت بيها مطبخ صغير للأكل البيتي والحمد لله بقى عندي شغل واسم.
سيف مد إيده باحترام أهلاً.
لكنه متجاهلش الإيد.
كان مركز مع حنين وبس مع التغيير اللي فيها.
الثقة. القوة. الهدوء اللي عمره ما ادّاهولها.
قال بصوت مكسور لأول مرة حنين ممكن نتكلم؟
بصتله ثواني طويلة
ثم قالت بهدوء اتأخرت.
أنا غلطت
نزلت ضحكة قصيرة مليانة وجع الغلط إنسان يا أستاذ لكن الخيانة قرار.
الكلمة خبطته بقوة.
حاول يقرب عشان ليلى نرجع نحاول.
لكن ليلى وقتها استخبت ورا سيف وهي ماسكة في هدومه بخوف.
المشهد قطع قلبه.
بنته بقت تخاف منه.
بدأت دموعه تنزل فعلًا أنا خسرتكم.
حنين ردت بصوت ثابت لأ إنت اللي فرّطت فينا.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل فاكر لما قلت هتحطني قدام الأمر الواقع؟ الحقيقة إن ربنا هو اللي حطك قدام حقيقة نفسك.
مسكت إيد بنتها، ومشت.
وسابته واقف في الشارع لوحده.
لأول مرة يفهم إن بعض القرارات مفيش بعدها رجوع بعد شهور طويلة من القضايا والكلام والخذلان
صدر الحكم النهائي.
وقف هو في المحكمة ووشه شاحب، يسمع القاضي وهو يثبت حق حنين في الشقة والنفقة وتعويض عن الضرر اللي اتعرضتله.
أما العروسة الجديدة فكانت سابته قبلها بشهرين.
بعد ما اكتشفت إن فلوسه اتبهدلت في القضايا والديون، اختفت من حياته بنفس السرعة اللي دخلت بيها.
خرج من المحكمة مكسور، لا زوجة جديدة فضلت، ولا بيت استقر، ولا أم راضية عنه.
حتى أمه تعبت جدًا بعد اللي حصل، وقبل ما تدخل المستشفى بأيام طلبت تشوف حنين.
راحتلها حنين فورًا، رغم كل الوجع.
أول ما شافتها الأم، مسكت إيدها وبكت سامحيني يا بنتي كنت ضعيفة قدام ابني، وضعتكم كلكم.
حنين حضنتها بحنان إنتِ أم وربنا يعلم إن قلبك كان موجوع.
ابتسمت الأم وسط دموعها، وقالت آخر جملة قبل ما تغمض عينيها أوعِ تسمحي لحد يكسرك تاني.
ورحلت بعدها بيومين.
يوم العزا، وقف هو بعيد يراقب حنين.
شاف الناس كلها حواليها بتحترمها. بتقدرها. حتى أمه قبل ما تموت كانت بتناديها بنتي.
أما هو فكان واقف لوحده.
قرب منها بعد ما المعزين مشيوا، وقال بصوت مهزوم أنا كل يوم بندم.
حنين بصتله بهدوء ناضج، مفيهوش كره ولا حب مجرد نهاية.
وقالت الندم مش دايمًا بيرجع اللي راح.
وبعدين نادت على ليلى يلا يا حبيبتي.
البنت جريت عليها ومسكت إيدها وهي بتضحك.
ركبوا العربية، وسابوه واقف مكانه.
يتفرج على ظهر الإنسانة اللي خانها وهي ماشية بثبات، بعد ما كانت يومًا كل حياته.
أما حنين
فبعد سنة، افتتحت مطعمها الصغير رسميًا.
وعلّقت
البيت مش بالمكان البيت بالأمان.