عاد رجل إلى قريته الصغيره

لمحة نيوز

إليه بهدوء
ماذا؟
خفض رأسه وقال بصوتٍ مبحوح
أنك كنت تثق بي.
ساد الصمت.
ثم أكمل
في البداية كنت آخذ جزءًا بسيطًا من المال وأقول أنا أتعب هنا أيضًا. ثم اعتدت الأمر. وبعدها أصبحت أخاف أن تعود لأن عودتك كانت ستكشفني.
تنهد عبد الرحمن طويلًا.
ثم قال
كنت أحتاج أخًا يا مصعب أكثر مما كنت أحتاج مالًا.
ارتجفت شفتا مصعب بقوة، ومسح وجهه بسرعة حتى يخفي دموعه.
وفي تلك اللحظة، خرجت الأم ببطء من غرفتها.
كانت قد سمعت كل شيء.
اقتربت منهما وجلست بينهما بصمت، ثم أمسكت يديهما معًا وقالت
أبوكما مات وهو خائف عليكما من الدنيا لا تجعلوا الدنيا تنتصر عليه حتى بعد موته.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة وأضافت
أنا تعبت وأريد أن أرحل وأنا مطمئنة أنكما ستبقيان إخوة.
شعر عبد الرحمن بانقباضٍ مفاجئ في قلبه.
ومنذ تلك الليلة، لم تعد الأم كما كانت.
بدأ المرض ينهش جسدها بسرعة، وكأنها كانت تؤجل تعبها فقط حتى ترى ولديها متصالحين.
وكان مصعب هو أكثر من يخدمها.
يحمل لها الدواء.
يطعمها بيديه.
ويجلس قربها ليلًا إذا ارتفع ألمها.
ربما لأنه كان يحاول تعويض سنواتٍ كاملة دفعةً واحدة.
وفي فجر يومٍ هادئ، قبل الأذان بدقائق
فتحت الأم عينيها بصعوبة.
كان عبد الرحمن يمسك يدها اليمنى، ومصعب يدها اليسرى.
نظرت إليهما طويلًا
ثم همست بالكاد
لا تتركوا بعضكم
وبعدها ابتسمت.
ورحلت بهدوء.
انهار مصعب باكيًا كطفل صغير، بينما بقي عبد الرحمن جامدًا للحظات، غير قادر على تصديق أن المرأة التي عاش لأجلها كل تلك السنوات لم تعد هنا.
وفي يوم العزاء، امتلأ البيت بأهل القرية.
لكن أكثر ما بقي في ذاكرة الناس لم يكن البكاء
بل ذلك المشهد.
حين وقف عبد الرحمن بجوار أخيه أمام قبر أمهما، ثم وضع يده على كتف مصعب وقال أمام
الجميع
سامحتك لوجه الله ولأجلها.
عندها فقط بكى مصعب بحرقة لم يستطع إخفاءها.
وبعد شهور، أعاد الأخوان ترميم المسجد القديم القريب من البيت، ووضعا عند بابه لوحة صغيرة كُتب عليها
صدقة جارية على روح الحاجة آمنة الطيب.
ومنذ ذلك اليوم
كلما مرّ أهل القرية قرب المسجد وقت الأذان، وتذكّروا قصة الأخوين، قالوا دائمًا
المال كاد أن يقتلهم لكن الأم أنقذتهم حتى بعد موتها أخرى
وكبر أبناء مصعب وهم يشاهدون أباهم يتغيّر أمام أعينهم يومًا بعد يوم.
لم يعد ذلك الرجل الذي يتحدث عن المال والسيارات والناس.
صار أكثر هدوءًا، وأكثر قربًا من أولاده.
وكان كلما رآهم يختلفون على شيءٍ صغير، يقول لهم فورًا
لا تجعلوا الدنيا تدخل بينكم رأيت بعيني كيف تهدم الإخوة.
أما عبد الرحمن، فلم يتزوج.
كلما سأله أهل القرية عن السبب، يبتسم فقط ويقول
الغربة أخذت عمري لكن الحمد لله أنها لم تأخذ قلبي.
كان يعيش حياة بسيطة خلف دكانه الصغير، ويقضي معظم وقته في المسجد أو مع أطفال الحي، حتى صار الجميع يعتبره أبًا روحيًا للقرية.
وفي أحد الأيام، جاءه شاب صغير يستعد للسفر إلى الخليج، وقال بحماس
ادعُ لي يا عم عبد الرحمن أريد أن أجمع مالًا كثيرًا وأبني بيتًا كبيرًا مثل الناس.
نظر إليه عبد الرحمن طويلًا
ثم ابتسم ابتسامة حزينة وقال
ابنِ قلبك أولًا يا ولدي فالبيوت الكبيرة لا تمنع الوحدة.
مرت الكلمات سريعًا على الشاب
لكنها بقيت عالقة في قلوب من سمعها.
وفي ليلة ممطرة من ليالي الشتاء، جلس عبد الرحمن وحده في الفناء القديم.
كانت شجرة النيم ما تزال واقفة رغم السنين.
رفع رأسه نحو السماء، وتذكر كل شيء
ليلة سفره الأولى. غرفته الضيقة في الغربة. الباب الذي أُغلق في وجهه. دموع أمه. وانهيار أخيه بين يديه.
ثم
ابتسم بهدوء.
كأن الألم الذي حمله سبعة عشر عامًا ذاب أخيرًا.
وفجأة، سمع صوت طرقٍ خفيف على الباب الخارجي.
فتح ببطء
فوجد طفلًا صغيرًا يقف تحت المطر، يحمل حقيبة مدرسية ممزقة.
قال الطفل بخجل
عمي أبي قال إنك تساعد الناس وأمي مريضة، ولا نملك ثمن الدواء.
نظر عبد الرحمن إلى وجهه الصغير المبتل بالمطر
وفي لحظة، رأى نفسه قبل سنوات طويلة.
ذلك الشاب الفقير الذي كان يظن أن العالم كله أغلق أبوابه في وجهه.
فابتسم، وأدخل الطفل بسرعة قبل أن يبتل أكثر، ثم قال له
تعال يا بني لا أحد يُترك خارج الباب في هذا البيت.
وفي الداخل
كانت صورة أمه معلقة على الجدار القديم.
وتحتها مباشرةً
كان الضوء الأصفر الدافئ يملأ المكان، كأن روحها ما تزال هناك، تراقب البيت الذي كاد أن يضيع
ثم عاد بيتًا من جديد كبر عبد الرحمن في العمر، حتى غزا الشيب لحيته بالكامل، وصار يمشي ببطءٍ يشبه هدوء الرجال الذين أنهكتهم الحياة ثم صالحوها أخيرًا.
أما ذلك الطفل الذي طرق بابه تحت المطر ذات ليلة
فلم يغادر حياته أبدًا.
كان اسمه ياسين.
تكفّل عبد الرحمن بمصاريف دراسته وعلاج أمه، ثم قرّبه منه شيئًا فشيئًا حتى صار كابنه الذي لم يُرزق به.
وكان أهل القرية يقولون دائمًا
الله عوّض عبد الرحمن بولدٍ من حيث لا يحتسب.
ومع السنين، أصبح ياسين شابًا متعلمًا، يدخل الجامعة في الخرطوم، ويعود كل عطلة ليجلس بجوار عبد الرحمن في الدكان الصغير، يستمع إلى حكايات الغربة والحياة.
وفي كل مرة، كان عبد الرحمن يكرر له وصية واحدة
إذا رزقك الله مالًا فلا تجعل المال يغيّر قلبك.
وفي أحد أيام الصيف، شعر عبد الرحمن بتعبٍ شديد.
حاول إخفاء الأمر، لكنه لم يستطع.
أصرّ مصعب وياسين على أخذه إلى المستشفى في أم درمان.
وبعد الفحوصات
الطويلة، خرج الطبيب صامتًا للحظات ثم قال بهدوء
قلبه متعب جدًا السنوات أخذت منه أكثر مما تتخيلون.
عاد
عبد الرحمن إلى البيت القديم.
البيت نفسه الذي خرج منه شابًا فقيرًا قبل عشرات السنين، ثم عاد إليه مكسور القلب، ثم أعاد ترميم روحه داخله.
وفي تلك الليلة، طلب أن يجلس الجميع معه في الفناء تحت شجرة النيم.
كان الهواء هادئًا
وصوت الأذان البعيد يتسلل من المسجد الذي بناه هو وأخوه صدقةً لوالدتهما.
نظر إلى مصعب طويلًا، ثم ابتسم وقال
أتذكر يوم أغلقت الباب في وجهي؟
انخفض رأس مصعب فورًا وامتلأت عيناه بالدموع.
لكن عبد الرحمن أكمل بابتسامة دافئة
لو لم يحدث ذلك لما عرفنا قيمة البيت الحقيقي.
ثم التفت إلى ياسين، ومدّ يده المرتجفة نحوه.
أخرج من جيبه المفتاح القديم مفتاح الصندوق الذي تركه والدهما قبل سنوات.
ووضعه في يد ياسين.
تعجب الشاب وقال
لماذا تعطيني هذا يا عمّي؟
فقال عبد الرحمن بصوتٍ متعب لكنه مطمئن
لأن البيت لا يحفظه المال يحفظه الإنسان الطيب.
ثم رفع عينيه نحو السماء للحظات، وكأنه يرى وجوهًا غابت منذ زمن.
والده.
أمه.
وأيامه البعيدة في الغربة.
ثم همس آخر كلماته
الحمد لله لم أعد غريبًا.
وأغمض عينيه بهدوء.
رحل عبد الرحمن تلك الليلة
لكن القرية كلها خرجت في جنازته.
رجالٌ عرفوه شابًا فقيرًا. وأطفالٌ كبروا على مساعداته. ومسافرون كان ينصحهم قبل الغربة. وفقراء لم يغلق بابه في وجوههم يومًا.
حتى مصعب سار خلف النعش باكيًا، يردد طوال الطريق
هذا أخي هذا الرجل علّمني معنى الأخوّة.
وبعد سنوات طويلة، حين أصبح ياسين رجلًا معروفًا في المدينة، سأله أحدهم يومًا
ما سرّ نجاحك؟
فابتسم وأجاب
لأن رجلًا متعبًا عاد يومًا إلى بيته مكسور القلب وقرر رغم كل شيء ألا يتحول إلى
إنسان قاسٍ.
ثم نظر نحو البيت القديم قرب أم درمان، حيث ما تزال شجرة النيم واقفة
وحيث بقي الباب مفتوحًا دائمًا لكل من ضاقت به الدنيا.

تم نسخ الرابط