سأغسل امك وستنهض وتمشى

لمحة نيوز

سأغسل أمّك وستنهض وتمشي.
ضحك المليونير في البداية ظانًّا أن الأمر مزحة، لكنه تجمّد في مكانه حين رأى ما يحدث.
كان ماركوس ويلينغتون، المليونير البالغ من العمر خمسةً وثلاثين عامًا، يقف في مدخل قصره الحجريّ ذي اللون البيج، مرتديًا بدلة كحلية أنيقة وربطة عنق، واضعًا كفّيه على صدغيه من شدّة الصدمة. كانت سيارته الفاخرة ذات اللون الأزرق الداكن متوقفة بالقرب منه، لكن جسده أبى أن يتحرّك.
على العشب النظيف، المحاط بشجيرات مشذّبة بعناية وورود بيضاء وحمراء وزهرية، جلست والدته كاثرين، ذات الثمانية والسبعين عامًا، على كرسيّها المتحرّك. كانت ترتدي سترة زرقاء، وقد شُدَّ شعرها الأبيض إلى الخلف، وبدت ملامحها المتعبة هادئة على غير العادة.
وبجوارها وقفت غريس، الخادمة الجديدة في أواخر العشرينيات من عمرها، مرتدية فستانًا أسود ذا ياقة بيضاء، ومئزرًا أبيض، وغطاء رأس أبيض.
كانت تمسك خرطوم ماء الحديقة، وتصبّ الماء مباشرة على رأس كاثرين.
صرخ ماركوس وهو يركض نحوهما
ماذا تفعلين؟!
لم تتوقف غريس.
انهمر الماء على شعر كاثرين الفضي، وانساب على وجهها، مبلّلًا سترتها الزرقاء.
قالت غريس بهدوء
أنا أغسل أمّك وعندما أنتهي، ستنهض وتمشي.
اندفع ماركوس محاولًا انتزاع الخرطوم منها وهو يصيح
هل فقدتِ عقلك؟! أمّي لم تمشِ منذ اثنتي عشرة سنة! إنها مشلولة من الخصر إلى الأسفل!
ثم تابع وهو يصرخ بغضب ويأس
أنفقتُ ملايين ملايين الدولارات!
أحضرتُ مختصّين، أطباء أعصاب من سويسرا، ومعالجين فيزيائيين من اليابان، وتجارب علاجية من ألمانيا!
لم ينجح شيء!
وأنتِ تظنين أن خرطوم حديقة سيعالجها؟

!
عندها فقط رفعت غريس نظرها إليه.
كانت عيناها ثابتتين، لا خوف فيهما.
قالت بصوت هادئ
كل أولئك الأطباء عالجوا جسدها
ولا واحد منهم عالج عقلها.
صاح ماركوس باستهزاء
هذا هراء!
لقد استعنتُ بأفضل أطباء العالم!
وجميعهم قالوا الشيء نفسه
تلف دائم في العمود الفقري ولا أمل في الشفاء.
تقدّمت غريس خطوة وسألته بهدوء قاطع
متى كانت آخر مرة فحصها فيها أيٌّ من هؤلاء الخبراء فعلًا؟
تجمّد ماركوس في مكانه
وعجز عن الإجابة.
باقي القصة في أول تعليق اتسعت عينا ماركوس بصدمة.
منذ سنوات طويلة لم يسمع والدته تتحدث بهذه الصراحة.
اقترب منها ببطء، وكأنه يرى امرأة مختلفة لأول مرة، ثم همس خائفة من ماذا يا أمي؟
تنهدت كاثرين، ونظرت إلى قدميها الملفوفتين بالبطانية الثقيلة.
قالت بصوت مرتجف خائفة أن أحاول ثم أفشل. خائفة أن أصدق أنني أستطيع الوقوف ثم يسقط جسدي أمام الجميع.
أخفض ماركوس رأسه.
أما غريس فركعت أمام الكرسي المتحرك، ثم أمسكت بيدي كاثرين برفق وقالت وهل تعلمين ما الأسوأ من السقوط؟
رفعت كاثرين نظرها إليها ببطء.
ابتسمت غريس وقالت أن يموت الإنسان وهو لم يحاول أصلًا.
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن صمت غضب. كان صمت خوفٍ ينكسر.
مدّت غريس يدها نحو البطانية وأزاحتها عن ساقَي كاثرين النحيلتين، ثم قالت أريدك فقط أن تضعي قدميك على الأرض.
صرخ ماركوس فورًا توقفي! قد تؤذيها!
لكن كاثرين رفعت يدها فجأة، تمنعه.
كانت أنفاسها متسارعة، ويداها ترتجفان بعنف.
ثم ببطء شديد أنزلت قدميها نحو العشب.
تشنج جسدها لحظة ملامسة الأرض، وكأنها نسيت شكل الوقوف.
قالت غريس بهدوء جيد
الآن أمسكي بي.
أمسكت كاثرين بساعد غريس، بينما وقف ماركوس خلفها مذعورًا، مستعدًا لالتقاطها إذا سقطت.
ثانية ثانيتان
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
اهتزت ركبة كاثرين.
شهق ماركوس أمي!
كانت ساقها تتحرك.
حركة صغيرة جدًا لكنها حقيقية.
بدأت دموع كاثرين تنهمر وهي تهمس أشعر بها يا إلهي أشعر بها.
غطى ماركوس فمه بيده، وعيناه امتلأتا بالدموع.
ومن شدة ارتباكه، جلس على ركبتيه أمامها كطفل صغير.
قال بصوت مكسور كنت أظن أنني أحميك لكنني كنت أسجنك.
وضعت كاثرين يدها المرتجفة على وجه ابنها.
ثم نظرت إلى غريس وقالت ساعديني أريد أن أحاول.
ابتسمت غريس، وأسندتها بهدوء.
وببطء شديد دفعت كاثرين جسدها إلى الأعلى.
ارتجفت ساقاها بعنف، وكاد جسدها يسقط، لكن غريس تمسكت بها.
ومع أول وقفة حقيقية منذ اثنتي عشرة سنة
انفجر ماركوس بالبكاء وقف ماركوس مذهولًا، ودموعه تنساب دون أن يشعر.
كانت والدته ترتجف بين ذراعي غريس، لكن قدميها كانتا تحملان جزءًا من وزنها فعلًا.
همست كاثرين وهي تبكي أنا واقفة؟
قالت غريس بابتسامة دافئة نعم ولستِ ضعيفة كما أقنعوكِ طوال هذه السنوات.
أمسك ماركوس بيد والدته بسرعة، وكأنه يخشى أن تختفي اللحظة.
قال بصوت مختنق أمي سامحيني.
نظرت إليه كاثرين طويلًا، ثم ابتسمت رغم دموعها أنت كنت خائفًا عليّ يا ماركوس لكن خوفك كان أكبر من حبي لنفسي.
خفض رأسه خجلًا.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يشعر أنه المليونير الذي يستطيع شراء كل شيء بل مجرد ابن خائف من خسارة أمه.
ساعدت غريس كاثرين على الجلوس مجددًا قبل أن تنهار ساقاها من الإرهاق، ثم قالت بهدوء هي لا تحتاج معجزة هي تحتاج
تدريبًا، وإيمانًا، وصبرًا.
سألها ماركوس بذهول لكن كيف عرفتِ أنها تستطيع الحركة أصلًا؟
نظرت غريس إلى كاثرين ثم قالت لأنني رأيت قدميها تتحركان كل ليلة.
اتسعت عينا ماركوس ماذا؟
أكملت في أول أسبوع لي هنا دخلت غرفتها ليلًا بعدما سمعتها تبكي. وجدتها تحاول تحريك ساقيها وحدها كانت تخفي الأمر عن الجميع.
التفت ماركوس نحو والدته بصدمة.
أطرقت كاثرين بخجل وهمست كنت أخاف أن أفشل وأخاف أن يراك الناس تتعلق بأمل كاذب بسببي.
اقترب منها ماركوس بسرعة وأمسك يديها حتى لو فشلتِ ألف مرة لن أترككِ وحدك مرة أخرى.
ابتسمت كاثرين، بينما كانت غريس تراقبهما بصمت.
ثم استدار ماركوس نحو غريس وسألها من أنتِ حقًا؟
ساد صمت قصير.
ثم قالت بهدوء كنت أدرس العلاج الطبيعي قبل وفاة أمي لكنني تركت الجامعة بعدما تراكمت الديون.
تجمد ماركوس للحظة، ثم قال أنتِ تفهمين أكثر من نصف الأطباء الذين أحضرتهم.
هزّت رأسها لا أنا فقط استمعت لها.
مرّت الأسابيع بعد ذلك بشكل مختلف تمامًا داخل القصر.
اختفى الكرسي المتحرك تدريجيًا من الحديقة. وأصبحت كاثرين تتمرن كل صباح تحت أشعة الشمس.
خطوة ثم خطوتان ثم مسافة قصيرة كاملة.
وفي كل مرة كانت تتعثر، كان ماركوس يركض نحوها، لكنها كانت تضحك وتقول دعني أسقط وحدي هذه المرة أريد أن أتعلم النهوض أيضًا.
وبعد ستة أشهر
توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام أكبر مركز طبي في المدينة.
وترجل منها ماركوس أولًا، ثم فتح الباب ببطء.
لكن المرأة التي خرجت بعده هذه المرة
لم تكن على كرسي متحرك.
كانت كاثرين تمشي ببطء، مستندة إلى عصا خفيفة فقط، بينما وقف الأطباء والممرضون في
ذهول كامل.
أما غريس، فكانت تقف بعيدًا تراقب بصمت.
اقترب منها ماركوس وهمس أنتِ لم تنقذي أمي فقط
نظر نحو
تم نسخ الرابط