اختفت ام وطفلها الصغير
بل لشخص حافي القدمين.
وفي مكان قريب، وجدوا نارًا صغيرة ما زالت دافئة.
شعر الجميع بأنهم لا يطاردون مجرد شبح من الماضي…
بل رجلًا يراقبهم الآن من داخل الظلام.
بدأ التوتر يزداد داخل غرفة القيادة.
أما مارك، فرفض مغادرة الموقع.
كان يريد معرفة الحقيقة مهما كانت.
وفي اليوم الثالث من البحث…
سمع أحد العناصر صوتًا خافتًا قادمًا من نفق ضيق جدًا.
في البداية ظنوه صوت ماء.
لكن بعد التركيز…
اتضح أنه صوت صفير.
لحن بسيط ومتكرر.
تجمّد مارك فور سماعه.
ثم همس بصدمة:
— هذا… هذا اللحن كانت سارة تغنيه لإيثان قبل النوم.
اندفع الفريق نحو مصدر الصوت بسرعة.
وكان النفق يزداد ضيقًا وحرارة كلما تقدموا.
ثم فجأة…
وصلوا إلى باب معدني قديم مخفي خلف الصخور.
الباب كان مغلقًا بسلسلة صدئة من الخارج.
كأن أحدًا أراد إبقاء شيء ما في الداخل.
قطع الضباط السلسلة بصعوبة.
وحين فتح الباب ببطء…
اندفعت رائحة خانقة من العفن والرطوبة.
سلّطوا المصابيح إلى الداخل.
ثم تجمّد الجميع في أماكنهم.
الغرفة كانت مليئة برسومات على الجدران.
مئات الرسومات.
كلها لطفل يكبر مع الوقت.
في الرسومات الأولى، كان إيثان صغيرًا جدًا.
ثم بدأ يكبر تدريجيًا سنة بعد سنة.
لكن الشيء الأكثر رعبًا…
أن آخر الرسومات أظهرت فتىً في الثامنة من عمره يقف بجوار رجل طويل بلا ملامح.
وفوق الرسم كُتبت جملة واحدة
"أبي الجديد لن يسمح لي بالخروج." 😳شعر مارك وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
حدّق في الجملة المكتوبة على الجدار غير قادر على التنفس.
أما المحققة باتريشيا، فاقتربت ببطء من آخر الرسومات.
ثم لاحظت شيئًا غريبًا.
خلف طبقة من السخام الأسود… كانت هناك خدوش حديثة نسبيًا.
كأن أحدهم كتب شيئًا ثم حاول إخفاءه.
بدأ أحد الضباط بتنظيف الجدار بحذر.
ومع كل حركة…
ظهرت كلمات جديدة.
"لا تثقوا به."
ساد صمت ثقيل.
ثم أسفلها مباشرة…
ظهرت جملة ثانية جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع:
"دانيال ليس وحده."
في تلك اللحظة، انطفأت إحدى المصابيح فجأة.
ثم الثانية.
وبقي الممر نصف مظلم.
سمعوا بعدها صوت حركة خفيفة قادمة من عمق النفق.
صوت خطوات بطيئة فوق الصخور المبللة.
رفع الضباط أسلحتهم فورًا.
لكن مارك كان ينظر نحو الظلام فقط.
ثم…
ظهر شخص.
فتى نحيف جدًا، طويل الشعر، يرتدي ملابس قديمة ممزقة.
كانت عيناه تلمعان بخوف شديد تحت الضوء.
همس مارك بصوت محطم:
— إيثان…؟
تراجع الفتى بسرعة إلى الخلف كالحيوان المذعور.
ثم صرخ فجأة:
— لااا! لا تخلوه ياخدني!
اندفع مارك نحوه وهو يبكي:
— أنا أبوك! إيثان أنا أبوك!
لكن الفتى كان يرتجف بعنف وينظر خلفه إلى عمق النفق.
كأنه خائف من شيء يقترب.
وفجأة…
سمع الجميع صوت صفير حاد يتردد داخل الأنفاق.
وفي اللحظة نفسها تغيّر وجه إيثان بالكامل.
تجمّد مكانه.
ثم همس بخوف مرعب:
— هو عرف إنكم هنا…
وقبل أن يتمكن أحد من سؤاله عن المقصود…
انطفأت كل الأضواء دفعة واحدة.
تحول المكان إلى ظلام كامل.
ثم دوّى داخل النفق صوت رجل عجوز أجش:
— ابتعدوا عن ابني. 😨تجمّد الجميع في أماكنهم.
الظلام كان كثيفًا لدرجة أن أحدهم لم يعد يرى يده أمام وجهه.
ثم عاد أحد المصابيح للعمل فجأة…
وكشف نهاية النفق.
رجل طويل نحيف يقف هناك.
شعره أبيض فوضوي.
وجهه مليء بالحروق القديمة.
وعيناه ثابتتان على إيثان فقط.
همست المحققة:
— دانيال كرو…
لكن الرجل لم ينظر إليها حتى.
قال بصوت هادئ ومخيف:
— الولد لي الآن… أنا ربيته… أنا حميته من الجبل.
كان إيثان يرتجف بشدة، لكنه لم يهرب هذه المرة.
وقف بين مارك ودانيال كأنه ممزق بين عالمين.
صرخ مارك بغضب:
— أنت خطفته! قتلت زوجتي!
هنا تغيّر وجه دانيال فجأة.
ورد بصوت مرتعش:
— لا… أنا أنقذتهم.
ثم بدأت الحقيقة تظهر قطعة قطعة.
في يوم اختفاء سارة، ضلت الطريق فعلًا قرب الينابيع الحارة.
وسقطت في أحد الممرات الحرارية بعدما انهارت الأرض تحتها.
أصيبت إصابة خطيرة في ساقها، ولم تستطع الخروج.
ودانيال — الذي كان يعيش داخل الأنفاق منذ سنوات — وجدها مع الطفل.
في البداية حاول مساعدتهما.
لكن خوفه المرضي من العالم الخارجي جعله يرفض إبلاغ أي أحد.
كان مقتنعًا أن "الجبال اختارتهما" ليبقيا
عاشت سارة شهورًا داخل الأنفاق وهي تحاول الهرب.
وحاولت حماية إيثان بكل طريقة ممكنة.
لكن المرض والإصابة والحرارة القاسية أنهكت جسدها تدريجيًا…
حتى ماتت داخل النفق بعد أقل من عام على اختفائها.
أما إيثان…
فكبر هناك.
بعيدًا عن البشر.
بعيدًا عن المدارس والمدن والحياة الطبيعية.
كبر وهو يسمع من دانيال أن العالم الخارجي مليء بالوحوش… وأن الجبل وحده هو الأمان.
وبينما كان الجميع مصدومين…
سمعوا صوت انهيار قوي يهز الأنفاق.
بدأت الصخور تتساقط من السقف.
صرخت المحققة:
— لازم نطلع حالًا!
لكن دانيال لم يتحرك.
بل أمسك بيد إيثان بقوة وقال:
— لن يأخذوه مني!
حاول مارك سحب ابنه، فتحول المكان إلى فوضى.
صراخ.
غبار.
صخور تتساقط في كل اتجاه.
وفي اللحظة الأخيرة…
نظر إيثان إلى الرجلين.
إلى أبيه الحقيقي…
وإلى الرجل الذي ربّاه طوال ست سنوات.
ثم اتخذ قراره.
ترك يد دانيال…
وركض نحو مارك.
صرخ دانيال صرخة هزّت الأنفاق كلها، ثم اندفع إلى الداخل وسط الظلام.
وبعد ثوانٍ…
انهار جزء كامل من الممر فوقه.
اختفى دانيال كرو إلى الأبد داخل الجبل الذي عاش فيه سنوات طويلة.
أما إيثان، فخرج أخيرًا إلى ضوء الشمس لأول مرة منذ ست سنوات.
كان خائفًا من السماء.
ومن الناس.
ومن الأصوات.
لكنه حين رفع عينيه نحو مارك…
قال أول كلمة حقيقية منذ العثور عليه:
— أمي كانت تقول إنك
انهار مارك باكيًا واحتضن ابنه بقوة…
بينما كانت شمس الغروب تضيء الجبال التي أخفت ذلك السر المرعب طوال السنوات الماضية.