صحيت من موتي بقلم مشيره محمد
صحيت من موتي… وأنا في عز العزا بتاعي.
وفي اللحظة اللي فتحت فيها عيني… لقيت جوزي بيلبس دهبي لأختي… وبيقول إنها كانت وصيتي!
اتعمل لي عزاء طول الصبح في بيت أمي في المنصورة… وأنا نايمة جوه النعش، والناس حواليّ بتقرأ الفاتحة وبتقول:
"الله يرحمها ويغفر لها"
كأني خلاص روحت… مش واحدة لسه روحها في جسمها ومش عارفة تتحرك.
اسمي بقى فاطمة… بس في اللحظة دي، كنت حاسة إني ولا اسم ولا روح… مجرد جسم محبوس.
أول حاجة حسّيت بيها كانت ريحة البخور والورد البلدي، مع شمع سايح وقهوة باردة… والجو كله مليان حزن وخنقة.
بعدها حسّيت بحرقان في حلقي، وضغط على صدري… كأن في حد قاعد عليه… وإحساس مرعب إن في حاجة غلط… غلط كبير.
إيدي كانت ساقعة، ووشي مخدر… ولساني ناشف بطعم مُر كأنه دوا.
غطا النعش كان مش مقفول بإحكام… ومن فتحة صغيرة شفت الصالة… الكراسي متزقوقة، الأرض فيها شمع… وصورتي متعلقة بشريطة سودة.
بصراحة… اتخضّيت من نفسي.
آخر حاجة فاكرها… كوباية لبن دافي جابتهالي أختي سارة، وقالت:
"اشربي يا فاطمة، يمكن تهدي شوية."
وكان جوزي أحمد واقف متوتر… لما سألته عن فلوس اتسحبت من الحساب.
وبعدها… ظلام تقيل.
حاولت أتحرك… جسمي كله وجع.
وفجأة… سمعتهم.
— كفاية بقى يا أحمد… سيب الحاجة دي — صوت أمي وهي بتعيط — لسه ما اتدفنتش.
— أنا هلبسهاله — قال أحمد بصوت هادي.
بصّيت من الفتحة…
وشفتهم.
أحمد لابس أسود، شكله محترم قدام الناس… بس عينيه ناشفة.
وسارة واقفة جنبه… عاملة نفسها مكسورة.
وفي إيده… سلسلتي الدهب… اللي فيها "الله"… اللي جدتي ادهالي، وقالت لي:
"خليها معاكي دايمًا، دي بركة."
عمرى ما قلعتها.
شافته وهو بيلبسها لسارة.
قلبي اتقطع.
— فاطمة كانت عايزاها تبقى معاكي — قال أحمد.
كداب.
سارة كانت دايمًا بتغير مني… وتقول إني واخدة كل حاجة حلوة.
بس ما توقعتش توصل لكده.
— طب ولو حد شاف؟ — قالت سارة بخوف — حاسة إن ده حرام.
أحمد بص حواليه وقال:
— يا سارة… دي ماتت. ربنا يرحمها وخلاص.
دموعي نزلت من غير صوت.
أمي زوّدت صوت القرآن… كأنها حاسة إن في حاجة غلط.
بس أنا بس اللي سامعة الحقيقة.
— الورق خلص… والتأمين كمان — قال أحمد — بعد أسبوعين نسافر ونبدأ حياتنا.
— أنا كنت خايفة امبارح… لما شربت اللبن تحس بحاجة — قالت سارة.
اللبن…
فاطمة فهمت.
هم اللي عملوا كده.
— قلتلك مش هيحصل حاجة — رد أحمد — نامت على طول… وربنا ستر.
"ربنا ستر"…
بيقولها وهو قاتل!
حاولت أصرخ… أقول "أنا عايشة!"
بس صوتي ما طلعش غير أنين ضعيف.
عضّيت لساني عشان ما أصرخش… وخفت يسمعوني قبل ما أعرف أتصرف.
وفجأة…
حصل اللي ما كانوش عاملين حسابه.
علي… ابن سارة الصغير… قرّب من النعش… ماسك مصاصة…
وبص جوه…
وسكت.
وبعدين قال بصوت عالي:
— ماما… خالتي بتبصلي!
الصالة كلها اتشلت.
أمي صرخت: — "ابعد يا علي!"
سارة شدته وغطت بوقه بإيديها: — "إنت بتهلوس يا حبيبي! نام.. من التعب!"
بس علي زقها وصرخ تاني: — "لا والله صاحية! عينيها مفتوحة ودمعت!"
أحمد جري على النعش، وشه أصفر.
اتجمد.
أنا بصاله. وعيني مليانة دموع، ونَفَسي بيتقطع، بس شايفاه. شايف القاتل اللي لابس أسود وبيوزع على روحي رحمة.
لمحته بيبلع ريقه، وقفل الغطا بسرعة وقال بصوت عالي يداري الرعشة: — "الواد اتخض من المنظر! حد ياخده بره!"
في اللحظة دي، جمعت كل قوتي اللي باقية في جسمي، وضربت غطا النعش بإيدي من جوه. خبطة واحدة. ضعيفة، بس في السكوت اللي خيم على المكان، سمعت زي الرعد.
كل اللي في العزا اتسمر مكانه.
أمي وقعت على الأرض: — "بنتي!"
ضربت تاني. أضعف. بس كفاية.
أحمد صرخ: — "ده الهوا! النعش بيتحرك من المروحة!" وبيحاول يثبت الغطا بإيده.
هنا، راجل من الجيران، عم فتحي، زق أحمد بعيد: — "مراوح إيه يا جدع إنت! وسّع كده!" ورفع الغطا كله.
النور ضرب في عيني. الهوا دخل صدري. شهقت. شهقة واحدة طويلة، صوتها طلع مبحوح ومسكور، بس طلع.
— "عايشة.."
العزا اتقلب صريخ. ستات أغمى عليها. رجالة بتتشاهد. أمي اترمت فوقي بتحضني وهي بتصوت: — "بسم الله.. بسم الله.. بنتي رجعت!"
سارة كانت هتقع، سندتها حيطة. وأحمد واقف متسمر، ووشه بقى بلون الميتين بجد.
الإسعاف جت في 10 دقايق. شالوني من النعش على النقالة، والناس كلها بتبص ومحدش فاهم. في المستشفى، الدكتور قال: — "دي حالة تسمم بمادة مهدئة قوية. بتسبب شلل مؤقت وانخفاض حاد في النبض والتنفس. بتتشخص بالغلط إنها وفاة لو اللي كشف عليها مش متخصص. ربنا كتب لها عمر جديد.
البوليس جه. وعلي ابن سارة، ببراءة الأطفال، حكى كل اللي سمعه وهو مستخبي ورا الكنبة يومها: — "خالو قال لماما نحط الدوا في اللبن. وماما خافت وخالو قالها متخافيش هتنام بس."
سارة انهارت واعترفت. قالت إن أحمد فهمها إن دي "حاجة تنيمني يومين" عشان يمضيني على تنازل عن الورث وأنا مش في وعيي. وإن التأمين على الحياة كان فكرته هو، وإنها صدقته لما قال إن دي مش هتموتني.
الطب الشرعي حلل كباية اللبن اللي كانت لسه في المطبخ. والجرعة كانت تكفي تقتل حصان. مش تنيم يومين.
أحمد حاول يهرب، مسكوه على طريق السفر. في جيبه تذكرتين طيران لشرم، وباسبوري، وعقد بيع بيتي مزور عليه إمضتي.
في التحقيق، واجهته: — "سلسلة جدتي.. دي بركة. وبركتها رجعتني. عشان أشوف وشك الحقي."
بص في الأرض: — "الفلوس عمتني يا فاطمة. سارة كانت بتزن.. وديون.."
قاطعته: — "واللبن؟ والدهب اللي لبستهولها على نعشي؟ ديون برضه؟"
أخد 25 سنة. شروع في قتل مع سبق الإصرار، وتزوير، واحتيال. وسارة أخدت 15 سنة. شريكة.
وأمي؟ خدت في حضنها شهر مبتسيبنيش. كل ليلة تملس على شعري وتقولي: — "سامحيني يا بنتي. أنا اللي دخلت العقارب بيتي."
وعلي؟ جبته يعيش معايا. الواد اللي صحاني من الموت، بقى ابني. بقوله: — "إنت اللي رجعتني للحياة يا علي. لما كلهم قالوا ماتت، إنت الوحيد اللي قولت بتبصلي."
والتأمين؟ لغيته. والورث؟ كتبته باسم علي.
والسلسلة؟ لسه في رقبتي.
بصحى كل يوم الفجر، أمسكها، وأقول: "الحمد لله
تمت.