بينتي ليلي بقلم نور محمد
بنتي ليلى كانت بترجع من المدرسة "جعانة" بشكل مش طبيعي، لدرجة إنها ممكن تاكل أي حاجة تقابلها في المطبخ وهي لسه بشنطتها.
لما كنت بسألها: "يا ليلى، فين الساندوتشات والفاكهة اللي بحطها لك؟".. كانت تبص في الأرض وتقول بصوت واطي: **"أكلتها يا ماما.. بس لسه جوه جهازي الهضمي فراغ!"
أنا "هدى"، عندي 40 سنة، ومن يوم ما انفصلت عن جوزي وأنا عايشة لبنتي "ليلى".. ليلى عندها 9 سنين، طفلة هادية بزيادة، ملامحها فيها براءة تخليك تسرح فيها.
من شهر تقريبًا، لاحظت حاجة غريبة.. ليلى بترجع من المدرسة "جعانة" بشكل مش طبيعي، لدرجة إنها ممكن تاكل أي حاجة تقابلها في المطبخ وهي لسه بشنطتها.
لما كنت بسألها: "يا ليلى، فين الساندوتشات والفاكهة اللي بحطها لك؟".. كانت تبص في الأرض وتقول بصوت واطي: **"أكلتها يا ماما.. بس لسه جوه جهازي الهضمي فراغ!"
إجابة غريبة.. بس عدتها.
لحد ما في يوم، نسيت "الزمزمية" بتاعتها، فرجعت المدرسة بعد نص ساعة بس من ميعاد خروجها عشان ألحقها.. وهناك شفت اللي عمري ما كنت أتخيله!
ليلى مكنتش بتركب باص المدرسة.. كانت بتمشي شارعين زيادة لحد "الكوبري القديم" اللي في أول المنطقة.
وقفت بعيد أراقبها.. لقيتها بتقعد جنب راجل شعره أبيض، لبسه مقطع، وشكله "مجاذيب" أو مشرد.. فتحت شنطتها، وطلعت علبة الغدا، وقعدت تأكله بإيدها وهي بتضحك!
المنظر وجع قلبي وخوفني في نفس الوقت.. مين ده؟ وليه بنتي بتعمل كده؟
تاني يوم، قررت أواجهها.. بس ليلى بكت وقالتلي: **"يا
قلت في بالي ده راجل غلبان أو فاقد الأهلية، وحذرتها تقرب منه تاني.. بس قلبي مكنش مطاوعني أمنعها عن "جبر الخواطر".
اللي حصل بعد كده؟ ملوش أي تفسير منطقي!
تاني يوم الصبح، وأنا بودي ليلى المدرسة.. لقيت المنطقة كلها مقلوبة!
عربيات سوداء فخمة جدًا، ورجال ببدل ونظارات شمس، واقفين عند الكوبري القديم.. والشرطة محوطة المكان.
خفت وجريت على المدرسة.. مكملتش ساعة، ولقيت "عاملة" المدرسة جاية تجري عليا وهي مخضوضة:
"أبلة هدى.. الحقيني! في ناس شكلهم مهمين جدًا بره.. ومعاهم لواء.. وعايزين ليلى بنتك بالاسم!"**
رجلي مكنتش شايلاني.. دخلت المكتب، لقيت ليلى قاعدة، وحواليها 3 شخصيات ملامحهم تدل إنهم من "جهة سيادية".. وبمجرد ما دخلت، واحد منهم وقف وفتح شنطة جلد سودة.. وطلع منها "علبة الغدا" بتاعة ليلى!
بصلي وقال بهدوء يرعب: "بنتك كانت بتحط إيه في العلبة دي غير الأكل يا مدام هدى؟"
أنا لساني اتعقد: "والله أكل عادي.. ساندوتشات جبنة وفاكهة.. في إيه؟ بنتي عملت إيه؟"
بص لزميله، وبعدين فتح العلبة قدامي.. وشفت حاجة خلت عيني تطلع من مكانها!
يتبع... قولت وأنا صوتي بيترعش: "والله أكل عادي.. ساندوتشات جبنة وفاكهة.. في إيه؟ ليلى عملت إيه؟"
الراجل اللي ببدلة بص لليلى بحنية غريبة، وبعدين بصلي: — "ليلى معملتش حاجة غلط يا مدام هدى. بالعكس. ليلى أنقذت أرواح."
الدنيا لفت بيا.
كمل كلامه وفتح علبة الغدا. جواها مفيش أكل. كان فيها ورقة مطبقة. فتحها قدامي. خط إيد مرتعش بس واضح: "المخزن اللي تحت الكوبري. قنبلة. هتنفجر الساعة 2. سامحوني."
رجلي سابت: — "قنبلة؟ عمو صابر؟"
اللواء اللي كان واقف ساكت اتكلم: — "عمو صابر اسمه الحقيقي لواء متقاعد صابر المنشاوي. كان من أهم ظباط المخابرات من 20 سنة. اتصاب في عملية وفقد الذاكرة جزئياً. ومن يومها وهو تايه في الشوارع. أهله دوروا عليه سنين وفقدوا الأمل. واعتبروه مات."
بص لليلى: — "بس من شهرين، الذاكرة رجعت له متقطعة. افتكر إنه زرع عبوة في مخزن تحت الكوبري القديم في مهمة سرية سنة 2001. المهمة اتلغت والعبوة متفجرتش، بس هو نسي مكانها لما اتصاب. ولما رجعت الذاكرة، كان عارف إن فيها تايمر قديم وممكن يشتغل في أي لحظة مع الرطوبة. فضل قاعد عند الكوبري مستني رسالة من السما.. يعني مستني حد يساعده يبلغ."
بلعت ريقي: — "وليه بنتي؟"
— "عشان بنتك الوحيدة اللي وقفت وكلمته. الوحيدة اللي أكلته من أكلها ومسخرتش منه. فاتطمن لها. بقاله أسبوعين بيحاول يكتب الرسالة دي. وكل يوم يديلها الورقة مطبقة في علبة الغدا ويقولها خبيها كويس واديها لماما لما تحسي إن الوقت قرب. بس ليلى كانت خايفة عليكي. وقالت له أنا هتصرف."
ليلى بصتلي ودموعها نزلت: — "هو قالي يا ماما إن بطنه فيها فراغ كبير عشان شايل سر يوجع. وأنا قلتله أنا كمان بطني فيها فراغ عشان بحوش الأكل
اللواء طبطب على كتف ليلى: — "ووصلتيها في الوقت المناسب يا بطلة. خبراء المفرقعات فككوها من نص ساعة. كانت هتنفجر كمان ساعتين بالظبط. تحت الكوبري ده بيعدي باص مدرستك كل يوم الساعة 2 وربع."
قلبي وقف. باص المدرسة. باص بنتي.
واحد من البدل طلع شنطة تانية: — "اللواء صابر في المستشفى العسكري دلوقتي. أول ما فاق سأل على البنت اللي بضفيرة وشنطة بمبي. دي ليلى. ودي المكافأة اللي خصصتها الدولة للمواطن اللي يبلغ عن خطر. بس هو كتب وصية إنها تروح لليلى. وقال: هي اللي تستاهلها. هي رسالتي من السما."
فتح الشنطة. شيك بمبلغ كبير، وشهادة تقدير باسم "ليلى أحمد عبدالرحمن". وميدالية ذهب محفور عليها: "لصاحبة القلب الشبعان".
خدت ليلى في حضني وأنا بعيط: — "جعانة؟ يا قلب أمك إنتي شبعتي مدينة بحالها."
ليلى مسحت دموعي بإيدها الصغيرة: — "قولي لعمو صابر إن الفراغ اللي في بطني راح. عشان السر طلع. وهو كمان هيشبع لما ياكل في بيته."
بعد أسبوع، رحنا نزور اللواء صابر. كان قاعد على سريره، حالق دقنه، ولابس بيجامة نضيفة. أول ما شاف ليلى دموعه نزلت.
قالها: — "الرسالة وصلت يا سيادة الرائد. والسما ردت عليا بيكي."
ومن يومها، ليلى بقت تاكل ساندوتشاتها كلها في المدرسة. ولما بسألها شبعتي؟ تقولي: — "شبعانة يا ماما. مفيش فراغ تاني. لا في بطني، ولا في قلب عمو صابر."
وأنا؟ بطلت أعد اللقم اللي بتاكلها. بقيت بعدد الدعاوي