عمري ما تخيلت

لمحة نيوز

عمري ما تخيلت إن الورقة اللي همضي عليها بـ "غرور" عشان أثبت رجولتي، هتكون هي نفس الورقة اللي هتكتب شهادة وفاتي وأنا عايش.

في لحظة طيش وكبر، خسرت مراتي اللي باعت دنيتها عشاني، ورميت ابني اللي لسه في بطنها في الشارع.. كل ده عشان أثبت لأمي إني "دكر" ومبكسرشي ليها كلمة، حتى لو الكلمة دي هتخرب بيتي وتكسر ضهري طول العمر!

الصمت كان مالي الصالون، صوت تكّة قلم المأذون على الترابيزة كان عامل زي عقارب الساعة اللي بتعد ثواني الإعدام. "سلمى" مراتي كانت قاعدة قدامي، وشها زي اللوح التلج، مفيش دمعة واحدة نزلت من عينيها، ولا حتى رمش لها جفن. البرود ده كان بيغلي الدم في عروقي.. كنت مستني أشوفها بتنهار، تبوس الإيدين عشان متترمش هي واللي في بطنها، وتتذلل عشان تفضل في ضل راجل يسترها.

أمي كانت قاعدة على الكرسي اللي قصادها، حاطة رجل على رجل، وبتبص لسلمى بشماتة واضحة وقالت بصوت مليان كبريات:
"اخلص يا "محمود"، ارمي يمينك وخلينا ننضف. بنات اليومين دول اتجننوا، فاكرين إن حتة العيل اللي في بطنهم حبل هيربطوا بيه رقاب الرجالة.. متعرفش إن اللي يجيبها يجيب عشرة ستاتها، وإن رضا الأم هو اللي بيفتح أبواب الرزق، مش حتة عيلة جاية تتشرط وتقولي 'مقدرش أخدم في بيت عيلة'."
حماتي كانت قاعدة جنب بنتها، بتمسح دموعها بطرف الطرحة، وبصت لأمي بصوت كله قهرة ورجاء:
"يا حاجة اتقي الله، البيت ده بنتي باعت دهبها عشان تفرشه مع ابنك، وصبرت على مُر الأيام معاه.. بلاش تهدوا المعبد على اللي فيه عشان خناقة تافهة، دول بينهم عيل جاي في السكة وخراب البيوت مش

سهل!"
أمي قاطعتها بضحكة مستفزة رنت في الحيطان:
"عيل إيه يا حبيبتي؟ بكرة أجوزه ست ستها وتخلفلو دستة، ابني ألف مين تتمناه، والبيت ده بيتي أنا، اللي مش عاجبه قوانيني الباب يفوّت جمل."
أنا هنا حسيت إن نظرات سلمى بتتحداي، وعشان أأكد لأمي إني "الراجل" والكلمة كلمتي، خبطت على الترابيزة وبصيت للمأذون بثقة مزيفة منعتني حتى إني أبص في عين مراتي:
"اكتب يا شيخنا.. طلقة بائنة، اللي تخرج عن طوع أمي وتفكر تعلي صوتها في بيتي، متلزمنيش لو كانت آخر واحدة في الدنيا."
المأذون هز راسه بأسف وبص لسلمى: "امضي يا بنتي."
سلمى قامت بهدوء مميت، سحبت القلم ومضت من غير ما إيديها تتهز شعرة. وبعد ما خلصت، رفعت عينيها لأمي وبابتسامة باردة قطعت قلبي نصين قالت:
"ألف مبروك يا حجة.. كسبتي ابنك، بس شلتي ذنب خراب بيته وذنب حفيدك ليوم الدين. خليهولك، أنا اللي كسبت نفسي."
وبعدين بصتلي من فوق لتحت وقالت جملة لسه بتدبح فيا لحد النهاردة:
"أنا مابكيتش عشان مكسورة يا محمود.. أنا مابكيتش عشان أخيرًا ارتحت من سجنك، الراجل اللي ميعرفش يحمي مراته، ميستاهلش يكون أب."
يتبع...

لمت شنطة صغيرة كانت مجهزاها من بدري، ومسكت إيد أمها وخرجت. لا بصت وراها، ولا اترعشت، ولا استنتني أغير رأيي.

الباب اتقفل. والصمت اللي كان مالي الصالون بقى أتقل. أمي ضحكت بانتصار: — "شفت؟ أدي آخرة اللي تفتكر نفسها حاجة. يلا قوم غير هدومك، هنروح نخطبلك بنت خالتك. متربية وهتسمع الكلام."

بس أنا مكنتش سامعها. كنت سامع بس صوت القلم وهو بيوقع على الورقة. صوت توقيعي اللي كنت فاكره إثبات

رجولة.

تاني يوم الصبح، البيت كان فاضي. صحيت ملقتش فطار. ملقتش هدومي مكوية. ملقتش صوت سلمى وهي بتقرأ قرآن بصوت واطي في المطبخ. ملقتش ريحة القهوة اللي كانت بتعملهالي قبل ما أنزل الشغل.

أمي دخلت عليا الأوضة: — "قوم يا دكر. مستني مراتك تيجي تلبسك؟ خلاص غارت في داهية. قوم شوف مصلحتك."

قومت. رحت الشغل. رجعت. البيت ساكت. ساكت بدرجة تخوف.

عدى أسبوع. اتنين. شهر.

وبدأت أفهم.

أمي "الراجل" اللي قالتلي هتجوزني ست ستها، طلعت مش فاضية. كانت بتطبخ بمزاجها، وتغسل بمزاجها. لما طلبت منها تكويلي قميص عشان اجتماع مهم، رمت القميص في وشي: — "إنت فاكرني الخدامة اللي طلقتها؟ أنا أمك. إخدم نفسك. ولا روح هاتلك واحدة تخدمك بفلوسك."

بنت خالتي؟ أهلها رفضوا. قالوا: "اللي يرمي مراته وهي حامل عشان كلمة أمه، بكرة يرمي بنتنا عشان بصّة أمه."

وأصحابي؟ بطلوا يكلموني. حتى القهوة اللي كنت بقعد عليها، صاحبها قالي: "معلش يا محمود، الكراسي محجوزة."

بعد 5 شهور، كنت معدي من قدام المستشفى اللي سلمى كانت بتتابع فيها. رجلي خدتني لوحدها. سألت عليها في الاستقبال.

الممرضة بصتلي بقرف: — "سلمى هانم؟ ولدت من أسبوع. جابت ولد زي القمر. وأهلها كلهم كانوا حواليها."

ولد. ابني. شوفته فين؟ في حضن مين؟ بيقول لمين يا بابا؟

جريت على بيت حماتي. خبطت. فتحتلي وهي شايلة طفل لافاه في كوفرتة لبني. عينه عيني. نسخة مني وأنا صغير.

قلبي وقع. مديت إيدي: — "ده.. ده ابني."

حماتي رجعت خطوة لورا: — "ابنك؟ ابنك مات يوم ما أبوه مضى ورقة الطلاق. ده ابن سلمى. وسِلمه اسمه

على اسم أبوها الله يرحمه. مالوش أب تاني."

سلمى طلعت من جوة. أجمل من آخر مرة شفتها. تخنت شوية، ووشها فيه نور. مفيش كسرة. مفيش دموع.

بصتلي ببرود: — "خير يا محمود؟ جاي ليه؟"

بلعت ريقي: — "جاي.. جاي أشوف ابني. أرجعك. غلطت. أمي.."

قاطعتني بضحكة: — "أمك؟ لسه برضه بتجيب سيرتها قبل مراتك وابنك؟ شفت؟ ماتغيرتش. ولا هتتغير. ارجع لها يا محمود. هي أولى بيك. أما أنا وابني.. إحنا كسبنا نفسنا. وصدقني.. السجن اللي كنت فاكرني فيه؟ طلع كان حريتي. وأنا حرّة دلوقتي."

وقفلت الباب.

رجعت البيت. أمي كانت بتتفرج على التلفزيون. قالتلي: — "إيه؟ روحت تشوفها؟ وطت راسك؟ ما قولتلك ملكاش غيري."

بصيت لها. لأول مرة شفتها صح. مش أمي. شفت ست أنانية، حبت تملك، فكسرت ضناها بإيديها.

قولتلها: — "كسبتيني؟ كسبتي إيه يا أمي؟ كسبتي واحد قاعد لوحده؟ كسبتي واحد ابنه بينده لراجل تاني يا جدو؟ كسبتي واحد بقى يخاف ينام عشان ميشوفش كابوس الورقة اللي مضاها بغرور؟"

سيبت البيت ومشيت. أجرت أوضة فوق السطوح. بقيت بروح شغلي وآجي أنام.

والورقة؟ ورقة الطلاق اللي مضيتها عشان أثبت رجولتي.. بقت شهادة وفاتي.

موت وأنا عايش. لا مرات، ولا ابن، ولا بيت، ولا حتى أم.. لأنها من يوم ما طردت سلمى، وهي بتتعامل معايا كأني كرسي في الصالة. موجود بس ملوش لازمة.

وسلمى؟ اتجوزت بعد سنتين. ظابط. شال ابنها وقال له يا ابني قدام الدنيا كلها.

وأنا؟ كل ما أعدي من جنب مدرسة وأسمع عيل بيقول "بابا"، بموت.

عرفت متأخر إن الرجولة مش كلمة أمك. الرجولة كلمة حق. وإنك تحمي اللي ملهمش

غيرك.

وإن الورقة اللي مضيتها بغرور.. كانت حبل. شنقت بيه نفسي، وابني، وحياتي.

*تمت.*

تم نسخ الرابط