أول ما خرجت

لمحة نيوز

أول ما خرجت من السجـن، جريت عدل على بيت أبويا.

مرات أبويا هي اللي فتحت الباب، بصت لي من فوق لتحت ببرود وقالت:

"أبوك اتـ.ـدفن من سنة.. والبيت ده بقى بيتنا دلوقتي."

وقفت مكاني مصـدوم.. وجريت على المـدافن عشان أدور على قبــره.

التربي وقفني وقالي بهمس:

"ما تتعبش نفسك وتدور.. هو مش هنا، وقالي أديك الأمانة دي."

جسمي كله اتلج لما فهمت الحكاية فيها إيه.

يوم ما خدت إفراج، مأوقفتش أحتفل ولا حتى خدت نفسي.

ركبت أول أتوبيس بيعدي من هناك، وجريت آخر تلات شوارع لحد ما وصلت للمكان الوحيد اللي كان بيصبرني على ليالي السجـ.ـن.. بيت أبويا.

سور البلكونة كان لسه زي ما هو.

بس باب البيت لونه اتغير.

والعربيات اللي ركنه قدام البيت غريبة، لدرجة إني شكيت إني غلطت في العنوان.

خبطت على الباب وإيدي بتترعش.

الباب اتفتح.

ليندا.. مرات أبويا.

مأتهزش لها جفن لما شافتني.. لا مفاجأة ولا شفقة. مجرد نظرة حادة، وبعدها بصت ورايا وكأنها بتقرر من دلوقتي أنا هعمل لها مشاكل ولا لأ.

وبعدين رمت الكلمة في وشي زي الطلقة:

"أبوك اتـدفن من سنة.. وإحنا اللي عايشين هنا دلوقتي."

لا قالت لي اتفضل.

ولا قالت لي البقاء لله.

ولا حتى ادتني فرصة أسأل عن أي حاجة.

قفلت الباب في وشي قبل ما حتى أنطق اسم أبويا.

فضلت واقف دقيقة باصص للباب، مستنيه يفتح تاني ويقولي إني كنت بحلم.. بس مأفتحش.

مشيت ساعات وأنا مش عارف أنا رايح فين، لحد ما رجلي خدتني للمدافن اللي كنت فاكر إن أبويا مدفون فيها.

كنت محتاج دليل.

محتاج مكان أقف فيه وأقوله "وداعاً" لأول

مرة.

بس أول ما وصلت للبوابة، لقيت تربي عجوز وقف قدامي وكأنه كان مستنيني.

لبسه كان قديم وعينيه حادة ومركزة.

قال بصوت واطي: "ما تدورش على القبر."

اتسمرت مكاني: "إيه؟"

الراجل كرر كلامه: "هو مش هنا.. أبوك قالي أديك دي."

طلع ظرف صغير من جيبه وحطه في إيدي.. أطرافه كانت دايبة وكأنه اتشال واتخبى واتمسك مية مرة.

جوه الظرف كان فيه رسالة مطوية..

ومفتاح ملزوق على كارت بلاستيك عليه رقم "مخزن" مكتوب بخط إيد أبويا.

رجلي كانت هتخـ.ـونني لما شفت التاريخ اللي فوق في الرسالة:

قبل خروجي بتلات شهور!

أبويا كتب إنه كان عارف إنه بيمـ.ـوت.. وإنه مأمنش لأي حد تاني يقولي الحقيقة. كتب إنه رتب كل حاجة عشان دفنته تبقى في سـ.ـرية تامة وماتتسجلش في السجلات العادية.

مكنش عايز ليندا ولا ولادها يلمسوا ورثه.

وبعدين اعتذر لي.

اعترف إنه مجاش زارني في السجـ.ـن مش عشان مش مهتم، بس عشان مـ.ـرضه وخوفه خلوه ضعيف.

ولما وصلت لآخر فقرة..

صدري ضاق لدرجة إني مكنتش قادر أبلع ريقي.

كتب إن كل حاجة محتاج أفهمها—سكوته، والبيت، وحتى القضية اللي دخلتني السجـ.ـن—موجودة في المخزن ده.

وترجاني إني أروح هناك الأول..

قبل ما أكلم ليندا تاني.

وقفت عند باب المـ.ـدافن وأنا ماسك الظرف ده كأنه آخر حتة فاضلة من حياتي القديمة..

وفهمت إن أبويا مش بس مات.

ده كان بيخطط.

وأياً كان اللي بيحميه..

فالموضوع كان كبير لدرجة إنه يزيّف دفنة كاملة.….....ركبت أول تاكسي وقولتله على عنوان المخزن اللي في الكارت. مخزن في المنطقة الصناعية القديمة، وسط عنابر

مقفولة من سنين.

المخزن رقم 37. باب صاج مصدي، وقفل كبير. المفتاح دخل بسهولة كأنه متزيت من قريب.

فتحت الباب. ريحة تراب وورق قديم ضربت وشي. النور ضعيف، بس شايف أوضة واسعة.. وفي النص مكتب خشب، وفوقه لاب توب مقفول، وهارد ديسك خارجي، ودوسيهات مرصوصة بالتواريخ.

جنبهم صندوق حديد صغير بقفل أرقام.

فتحت أول دوسيه. تاريخه من 4 سنين. تاريخ القضية بتاعتي بالظبط.

قلبي وقع. قضية اللي لبستها ظلم. اللي دخلت بسببها 5 سنين، والكل قال إني مذنب حتى أبويا سكت.

بس الورق اللي قدامي بيقول كلام تاني.

صور، تسجيلات مفرغة، تحويلات بنكية. كلها باسم "سامح" ابن ليندا. سامح اللي كان عايش معانا في نفس البيت، واللي أبويا طرده قبل ما أتحبس بسنة عشان مسكه بيسرق من الخزنة.

أبويا كان بيراقبه. كان عارف إن سامح بيشتغل مع عصابة، وإن هو اللي حطلي البضاعة في عربيتي يوم ما اتقبض عليا. عشان يخلص مني، عشان أنا الوريث الوحيد.

في الدوسيه التاني، تقرير طبي. أبويا جاله كانسر في الكبد من 3 سنين. الدكاترة قالوا فاضله 6 شهور. ومن ساعتها وهو بيخطط.

في رسالة تانية جوه الدوسيه، كاتبلي بخط مرتعش:

"يا ولدي يا كريم.. سامحني. سكت عشان أحميك. لو كنت طلعت دافعت عنك وقتها كانوا قتلوك في السجن. سامح وليندا ماسكين عليا ذلة قديمة من أيام شبابي، هددوني بيها. فقررت أموت لوحدي، وأسيبك تخرج تلاقي حقك متشال. زيفت موتي، واندفنت في مدفن صدقة باسم مستعار. حتى ليندا متعرفش مكاني. كل ثروتي اتحولت سبايك دهب وشهادات باسمك. والصندوق ده فيه الباسوردات وعقود الشقق والشركة.

بس الأهم.. الهارد ده عليه اعتراف متسجل من سامح. أجبرته يعترف بعد ما هددته إني هفضحه. الاعتراف ده هو براءتك."

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح اللاب. الهارد اشتغل. فيديو. سامح قاعد بيعيط وبيعترف بالصوت والصورة إنه دسلي المخدرات، وإن أمه ليندا كانت عارفة وخططت معاه عشان الورث يروح لهم.

في آخر الفيديو، صوت أبويا بيقول: "الفيديو ده أمانة في رقبتك يا سامح. يوم ما كريم يخرج، لو مقربتش منه، الفيديو هيوصل النيابة. ولو فكرت تأذيه، هتتعدم."

قفلت اللاب. جسمي كله متلج. أبويا مات بجد. بس مات وهو بيحارب عشاني. زيّف دفنته عشان ليندا متدورش وراه، ومتوصلش للورق ده. سابني أتظلم 5 سنين عشان يعيش وأعيش.

فتحت الصندوق الحديد. لقيت 4 سبايك دهب، وعقود 3 شقق، وعقد ملكية الشركة، وتوكيل عام باسمي. وتحتهم.. صورة ليا وأنا صغير في حضنه.

كنت بعيط زي العيال. لا على الفلوس، ولا على البراءة. على الراجل اللي مات لوحده ومخدش حضني قبل ما يمشي.

طلعت موبايل بكارت جديد كان سايبهولي في الدرج. اتصلت بمحامي من اللي كان كاتبهم في الورق: "مكتب النائب العام.. عايز أقدم بلاغ إعادة فتح قضية، ومعايا أدلة جديدة."

بعدها اتصلت برقم تاني. رقم ليندا.

ردت ببرود: "خير؟"

قولتلها: "افتحي الباب يا ليندا. أنا جاي آخد بيتي. ومعايا مفتاح جديد.. مفتاح السجن لابنك."

قفلت السكة، وخدت الهارد والدوسيهات.

قبل ما أخرج من المخزن، لقيت ورقة صغيرة لازقها أبويا على الحيطة ورا المكتب. فيها جملة واحدة:

"اللي يستحمل الظلم يا ولدي، لازم يبقى أقوى من الظالم لما يرجع.

ارجع يا كريم.. وخد حقك."

وأنا راجع للبيت، مكنتش نفس كريم اللي خبط على الباب الصبح.

كنت كريم عز الدين الشناوي. الوريث. صاحب البيت. وصاحب الحق.

تم نسخ الرابط