بقالي 5 سنين
بقالي 5 سنين بخدم جوزي بحميه وأشيله وأمرضه ليل نهار.. وفجأة سمعته المشلول بيضحك مع واحد غريب وبيقول عليا "خدامتي اللي ببلاش"، واعترف إنه مش ناوي يسيب لي مليم!
5 سنين ميبانوش وقت طويل لو قلتيها كدة وخلاص..
بس لما تقضي السنين دي بين أوض المستشفيات وبيت ريحته دايماً مطهرات ودوا، الوقت بيمشي ببطء قاتل. بيبقى حمل تقيل بيسحبك لتحت مهما حاولتي تقاومي وتكملي.
أنا اسمي "نورا". عندي 31 سنة، بس اللي يبص في المراية يشوف واحدة أكبر من كدة بكتير؛ تعبانة ومطفيّة. إيدي اللي كانت ناعمة بقت خشنة ومشوقة من كتر النضافة والترحيل وشيل حد مابقاش قادر يشيل نفسه.
كل حاجة بدأت في حادثة على الطريق السريع. جوزي "شريف" كان راجع من مؤتمر.. كان من نوع الرجالة اللي ليهم هيبة وثقة، ومقتنع إن الدنيا دايماً ماشية على كيفه. سُواق سكران دخل في حارته.. شريف نجا من الموت، بس عموده الفقري مَانجاش.
الدكاترة قالوها صريحة: شلل كامل من الوسط لتحت. كلمتين مسحوا كل اللي خططنا له؛ مستقبلنا، أحلامنا، وحياتنا اللي كنا فاكرين إننا هنبنيها سوا. في اللحظة دي مفكرتش في نفسي، قررت أكون له كل اللي فقده؛ أكون رجله، وقوته، وسنده.
مكونتش واخدة بالي إني بضيع "نفسي" بالتدريج.
"الروتين القاتل"
بعد 5 سنين، حياتي بقت روتين مبيخلصش.
بصحى قبل الشمس، بشتغل، وأنظف، وأسوق، وأتخانق مع شركات التأمين، وأسهر أعمل
الصبح ده كان زي أي صبح..
بقاله أيام بيطلب مني أجيب له "كرواسون" فانيليا من مخبز معين جنب المستشفى. رحت وجبته، وكنت ماسكة الكيس السخن ده كأن فيه سر السعادة.. كنت فاكرة إنه هيفرح لما يشوفه. للحظة جوه المخبز حسيت إني إنسانة طبيعية، زوجة عادية بتجيب فطار لبيتها.
بس الإحساس ده مكملش.
"الطعنة اللي في الضهر"
في المستشفى، الممرضة قالت لي إن شريف في الجنينة برا. رحت ناحية الأبواب الإزاز وأنا بعدل شعري، وبحاول مابانش تعبانة كالعادة.
وفجأة.. سمعت صوته.
كان بيقول لواحد غريب بمنتهى البرود: "إنت بس اتأقلم.. تخسر رجلك، بس تكسب مميزات تانية كتير."
كان بيكلم مريض تاني جنبه.
الراجل ضحك وقاله: "بس الموضوع مش مضايقك؟ ده مراتك بتعمل كل حاجة."
شريف ضحك ببرود وقاله:
"يضايقني؟ أبداً! نورا دي مضمونة وموجودة.. هتروح فين أصلاً؟ أنا حظي حلو أوي."
اتسمرت مكاني.
كمل كلامه: "عندي ممرضة بدوام كامل، وطباخة، وسواقة، وشغالة.. وكل ده مابيكلفنيش مليم واحد!"
صدري ضاق وحسيت بنار بتغلي جوايا.
الراجل التاني قاله: "بس دي مراتك برضه."
شريف رد بقسوة: "وهي مفيدة.. أنا بقولها تعمل إيه وهي بتنفذ. وأحلى حتة في الموضوع؟ إنها فاكرة إنها تورث كل حاجة لما أموت."
سكت ثانية.. التاني سأله: "وهي مش هتورث؟
شريف انفجر في الضحك:
"مستحيل! كل حاجة هتروح لابني من طليقتي.. الدم أولى. هي لسه صغيرة، هتعرف تتصرف.. ده لو مكنتش انتهت ودبلت خالص وقتها."
الاثنين فضلوا يضحكوا..
وفي اللحظة دي، فيه حاجة جوايا انكسرت.. في هدوء تام، وللأبد
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا اتكسرت. مش قلبي.. لأ. قلبي مات من بدري. اللي اتكسر كان القيد. القيد اللي ربطني بدور "الخدامة اللي ببلاش" خمس سنين.
الكرواسون وقع من إيدي على الأرض. بس أنا مسمعتش الصوت. كنت سامعة بس صدى ضحكته وهو بيقول "دبلت خالص".
لفيت ضهري ومشيت. مادخلتش الجنينة. ماواجهتوش. ليه؟ عشان اللي زيه ميستاهلش لحظة انهيار مني. يستاهل انهيار ليه هو.
رجعت البيت. ريحته مطهرات ودوا. ريحته هو. فتحت كل الشبابيك. خليت الهوا يدخل يطرد ريحته من رئتي قبل البيت.
قعدت على المكتب بتاعه. المكتب اللي منعت نفسي ألمسه احتراماً لخصوصيته خمس سنين. فتحت اللاب توب بتاعه. الباسورد؟ تاريخ ميلاد ابنه. طبعاً. الدم أولى.
ساعة واحدة بس.. وعرفت كل حاجة. الوصية متغيرة من 3 سنين. كل حاجة لابنه. كل الشركات، كل الأرصدة، كل الأملاك. وأنا؟ أنا مش موجودة فيها أصلاً. ولا حتى بكلمة شكر.
بس لقيت حاجة تانية. إيميلات بينه وبين المحامي. بيطلب منه يضمن إن "نورا متاخدش جنيه واحد تحت أي ظرف". وبيقول له: "خليها تفضل فاكرة إنها هتورث عشان تفضل تخدم كويس. أول
ضحكت. لأول مرة من خمس سنين ضحكت من قلبي.
قفلت اللاب، وقمت. اتصلت بأخويا. أخويا اللي خاصمته من خمس سنين عشان قالي شريف بيستغلك.
قولتله كلمة واحدة: — "كنت صح. جايلك."
لميت شنطة واحدة. حطيت فيها هدومي، واللاب توب بتاعي بتاع الشغل الفري لانس، وعقد شقتي القديمة اللي أبويا كتبهالي قبل ما أموت. الشقة اللي أجرتها مفروش عشان أدفع علاجه.
كتبتله ورقة واحدة وسيبتها على السرير اللي كنت بحميه عليه:
"شريف..
الخدامة اللي ببلاش مشيت.
دور على ممرضة بدوام كامل، وطباخة، وسواقة، وشغالة.. بس المرة دي هتدفع.
وبالمناسبة.. أنا مدبلتش. أنا لسه هبتدي أعيش.
نورا"
قفلت الباب ورايا. وسيبت ريحته المطهرات والدوا تاكله لوحده.
بعد أسبوع، المحامي بتاعه كلمني. شريف عايز يرجعني. الممرضات بياخدوا 30 ألف في الشهر، ومحدش مستحمله. وحسابه بيتصفى.
قولتله: — "قوله نورا ماتت. ودفنها مع عموده الفقري يوم الحادثة. واللي موجودة دلوقتي واحدة تانية.. مبتشتغلش ببلاش."
بعد سنة، شقتي الصغيرة بقت شركة. شركة تسويق بديرها أنا. وإيدي؟ رجعت ناعمة.
وشريف؟ آخر خبر سمعته إنه باع عربية من عربياته عشان يدفع لممرضة خاصة. وابنه؟ مسافر ومبيردش على تليفونه.
الدم أولى.. بس الكرامة أغلى.
والمشلول الحقي مش اللي خسروا رجله. المشلول اللي فاكر إنه هيشتري
وأنا؟ أنا مشيت. وسيبت له الكرواسون البايت على الأرض.