ابني زعق
ابني زعق فيّ وسط العشا وقال بصوت هز البيت: "يا تسيبي الأوضة الكبيرة لمراتي، يا تشوفي لك مكان تاني تعيشي فيه!". أنا وقتها منطقتش بكلمة، فضلت هادية وراسي مرفوعة.. وتاني يوم الصبح كنت عزلت، اشتريت بيت ع البحر، وسبتهم هما بيترموا في الشارع!
أنا اسمي "هدى".. والليلة اللي ابني فكر فيها يطردني من أوضتي، كانت الليلة اللي بطلت فيها أكون "الست الطيبة" وبقيت فيها "الست الخطيرة".
"محمود" ابني مكنش بيهمس، ده رزق بإيده على السفرة ومراته "نيرمين" قاعدة جنبه زي الملكة المتوجة بجمالي وشقايا، وقالها في وشي: "بقولك إيه يا أمي، يا تنقلي حاجتك الأوضة الصغيرة وتسيبي الكبيرة لنيرمين، يا تلمي هدومك وتوكلي على الله!".
الكل سكت.. حفيدي "ياسين" كان وشه جايب ألوان من الكسوف، وأخت جوزي "سعاد" فضلت باصة في طبقها ومنطقتش. أما "نيرمين" فكانت مرسومة على وشها ضحكة نصر صفراء، من اللي بيرسمها الناس اللي فاكرين إنهم ضامنين اللعبة.
أنا كنت فاكرة إني هتحسر وأعيط، بس اللي حسيت بيه كان أبرد وأصفى من الوجع.. حسيت بـ "فوقة".
حطيت الشوكة من إيدي، بصيت لـ "محمود" في عينه وقولتله بكل برود: "ماشي يا محمود.. هلم هدومي".
بربش بعينه وهو مذهول.. هو كان مستني عياط، خناق، ذل.. كان عايز معركة يكسبها، بس اللي لقاه كان سكوت يخوف.
بالليل، وهما تحت بيضحكوا
فتحت حسابي في البنك.. لقيت معايا 8 مليون جنيه. شقا عمري من شغل المحاسبة، والمصاريف اللي كنت بوفرها، والفسح اللي كنت بحرم نفسي منها.. الفلوس اللي كنت دايماً "بنجد" بيها محمود من ديونه. فجأة فهمت اللي كان لازم أفهمه من سنين: الفلوس دي "بتاعتي" أنا.
تاني يوم الصبح، سقت عربيتي وطلعت على البحر واشتريت البيت قبل ما عقلي يرجع في كلامه. وقعت العقود في مطبخ فاضي وشباكه مفتوح على ريحة اليود.. لما السمسار سألني "مش محتاجة وقت تفكري؟"، قولتله: "أنا بفكر في اللحظة دي بقالي 40 سنة".
رجعت البيت وبدأت أخطط في السر.
كلمت محامي.. عرضت بيتي اللي في القاهرة للبيع.. غيرت وصيتي.. لميت ورقي المهم كله وشلته في مخزن بره البيت. وتحت في الصالة، محمود ونيرمين كانوا بيتعاملوا معايا كأني "شغالة".. هي تطلب مني أدفع تمن عزوماتها الغالية، وهو يطلب مفتاح عربيتي.. ولما كنت أرفض، كانوا بيبصوا لي باستغراب كأني اتجننت!
الحقيقة كانت أصلب من كده.. هما ماتغيروش فجأة، هما كانوا بيستغلوني بقالهم سنين، وأنا كنت بسمي ده "حب"
بعد 3 أيام، السمسار كلمني.. "جالي مشتري لبيتك يا ست هدى، دفع 15 مليون جنيه كاش والتسليم فوري".
وافقت فوراً.
يوم الخميس بالليل، محمود كان بيعمل ساندوتش ونيرمين قاعدة بتقلب في الموبايل، ندهت عليهم يقعدوا. كانوا متضايقين بس مش قلقانين.
شبكت صوابعي في بعض وقولت بكل هدوء: "أنا بعت البيت ده النهاردة الصبح.. والملاك الجداد هيستلموا المفاتيح يوم الأحد".
محمود نط من طوله لدرجة إن السفرة اتهزت، ونيرمين وشها بقى لونه أبيض زي الورقة.
ابني صرخ فيّ: "إنتي مجنونة؟ متقدريش تعملي كده!".
وفي اللحظة دي، هو لسه بيفهم إنه لسه هادد البيت الوحيد اللي كان فاكر إنه مسيطر عليه.
مفهمش إن اللعبة خلصت من بدري.
بصيت له ببرود وقولت: — "أقدر يا محمود. البيت باسمي، من شقايا، من فلوسي. وإنتم بقالكم سنين فاكرين إني ضيفة عندكم. بس الحقيقة.. إنتم اللي كنتم ضيوفي."
نيرمين قامت تزعق: — "طب وإحنا هنروح فين؟ وياسين؟ عايزة ترمي حفيدك في الشارع؟!"
ضحكت. أول مرة أضحك من قلبي من سنين: — "حفيدي؟ ياسين اللي علمتوه يقولي يا ستي متدخليش الأوضة الكبيرة عشان دي أوضة مامي؟ ياسين اللي بقيتوا تخلوه يطلب مني فلوس الدرس كأني غريبة؟ متقلقيش على ياسين.. لو عايز يجيني، بيتي في رأس البر مفتوح له في أي وقت. بس
محمود قرب مني وعروق رقبته هتفرقع: — "إنتي أم مفترية! هتطردي ابنك؟"
قمت وقفت، ولأول مرة أبقى أطول منه: — "لا يا حبيبي. إنت اللي طردتني الأول. فاكر لما قولتلي يا تسيبي الأوضة يا تشوفي لك مكان؟ أهو أنا لقيت مكان. بس الفرق إني لما مشيت، اشتريت راحتي.. إنما إنت لما مشيتني، بعت أمك."
سكتوا. الصمت كان تقيل زي الحجر.
كملت: — "الـ 15 مليون دول في حسابي. ومنهم مليون محطوط باسم ياسين، وديعة ميقدرش حد يلمسها غيره لما يتم 21 سنة. عشان لما يكبر يعرف إن سته عمرها ما نسيته. أما إنتم.. فمعاكم 3 أيام تلموا حاجتكم. يوم الأحد الساعة 12 الضهر، المالك الجديد هيستلم."
يوم الحد، كنت واقفة في بيتي الجديد في رأس البر. الشباك مفتوح، والهوا داخل بريحة البحر. تليفوني رن. محمود.
مرديتش. بعت رسالة: "إحنا في الشارع.. نيرمين سابتني ومشيت لأهلها. ياسين بيعيط وعايزك. ارجعي."
كتبت له رسالة واحدة وبعتها وعملت له بلوك: "البيت الكبير كان يساعنا كلنا.. بس إنت اخترت تديه لمراتك. دلوقتي بيتي الصغير يساعني أنا وبس. لما تحب تيجي تزورني إنت وياسين، بيتي مفتوح. بس لوحدكم. ومن غير شروط."
وقفلت الموبايل. شغلت الراديو على أغاني أم كلثوم، وعملت لنفسي مج شاي بالنعناع، وقعدت في البلكونة أتفرج على البحر.
الست الطيبة ماتت ليلة العشا.