باعها ابوها
باعها أبوها بـ 'قرشين' لراجل في عمر جدها، والكل قال إنها دخلت القبر برجلها.. مكنوش يعرفوا إن 'وردة' مش بس هتعيش، دي هتاكل الورث والقلوب اللي ملهاش رحمة!"
زفة الجنازة:
وقفت "وردة" وحيدة تماماً في وسط "حوش" السرايا الواسع بقرية ميت غمر. السرايا كانت مهيبة، حيطانها من الحجر القديم المنحوت، لكن كان بيخيم عليها صمت "جنائزي". ستات البلد كانوا بيتهامسوا في الدرى عن الراجل اللي اتجوزته من دقايق.
"الحاج إبراهيم الهواري".. كان عنده 75 سنة، مشلول وقاعد على كرسي متحرك، وجسمه بينحل يوم ورا يوم كأنه شجرة بتنشف من عروقها. الناس كانت بتقول إن أرضه "ملعونة"، وإنه بيدفن أعداءه تحت شجر الموالح، وإن "وردة" الغلبانة مش هتكمل أول شتا في "القبر" اللي اسمه السرايا ده.
أما الجواز، فكان "بيعة وشروة" سريعة في مكتب الحاج. لا زغاريط، لا شربات، ولا حتى صوان. مجرد مأذون قبض "مبلغ" زيادة ومضى الورق واختفى من الباب الوراني.
في الليلة دي، الخدم دخلوا وردة "الأوضة الكبيرة". الأوضة كانت باردة، ريحتها بخور وعفن وسنين من العزلة. وردة كانت بترتعش، طرحتها البيضاء كأنها كفن، وعينيها في الأرض مستنية "المصير الأسود" اللي أبوها رماها فيه عشان يسدد ديونه.
سمعت صوت عجلات الكرسي بتقرب.. صرير الخشب على البلاط كان بيخلي قلبها يقع في رجليها. غمضت عينيها
الكرسي وقف قدامها بشوية.
"فتحي عينيكي يا بنتي.. أنا مش جايبك عشان أنام جنبك، أنا اشتريت بيكي عمري اللي فاضل." الصوت كان خشن، مليان تعب، بس فيه هيبة تخلي الواحد ينتبه.
فتحت وردة عينيها بذهول. الحاج إبراهيم كان باصص من الشباك على جنينة الموالح اللي منورة بضوء القمر. وشه كان زي الخريطة، تجاعيد فوق تجاعيد، بس عينيه كانت لسه زي الصقر، حادة وبتحسب كل حاجة.
"أومال دفعت فيا الآلاف دي ليه؟" سألت وصوتها بيموت من الخوف.
"عشان أنا بتموت يا وردة،" قالها وهو بيلف الكرسي ليها.
"بس مش بموت من سني.. ابن أخويا 'رفعت'، هو اللي بيسمني بالبطيء. كل يوم الممرضة بتديني الدوا اللي هو بيجيبه من مصر، وأنا عارف إنه سم. هو عايز يبيع السرايا والأرض لشركة استثمارية ويهد تاريخ عيلة الهواري كله."
سكت شوية، وكمل وعينيه في عينيها:
"كنت محتاج حد في البيت ده ملوش مصلحة في موتي.. حد مصلحته في عيشتي أكتر من موتي."
قلب وردة دق بعنف، بدأت تفهم اللعبة.
"ساعديني أعيش كام شهر بس، لحد ما أعلمك كل حاجة وأغير وصيتي،" ومد إيده المرتعشة ليها.ووقتها باب اتفتح ودخل عليهم شخص تفهم.. هي مش زوجة، هي درع.
الحاج كمل بصوت واطي: — "إنتي ورقتي الرابحة يا وردة. أنا كتبتلك نص السرايا والأرض باسمك من أول ما المأذون مشي. لو مت الليلة، رفعت
وردة بلعت ريقها: — "وأحميك من إيه يا حاج؟ أنا بت غلبانة، أبويا باعني عشان دين.. معرفش حاجة."
ابتسم ابتسامة تعبانة: — "بس تعرفي الجوع، وتعرفي الظلم. وده يكفي. من النهاردة، إنتي مش خدامة هنا.. إنتي ست السرايا. وكل الخدم هياخدوا أوامرهم منك."
في نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل شاب طويل، في التلاتينات، وشه زي الصقر بس نسخة أصغر وأخبث. ده رفعت.
بص لوردة بقرف، وبعدين ابتسم للحاج: — "ألف مبروك يا عمي. عروسة جديدة؟ ده إحنا هنعمل فرح بقى."
الحاج قال ببرود: — "الفرح خلص يا رفعت. ومراتي هتنام في أوضتها، وأنا في أوضتي زي ما أنا. ولو سمحت، من بكرة، أي دوا يدخل السرايا، وردة هي اللي تستلمه وتشوفه الأول."
وش رفعت اتقلب. فهم اللعبة. بص لوردة بنظرة نار: — "أكيد يا عمي.. مرات عمي الجديدة لازم تاخد بالها منك."
خرج، وساب الباب يرزع وراه.
وردة كانت لسه واقفة مش مستوعبة. في يوم واحد، بقت من "ميتة بالحيا" لـ "ست سرايا" وفي رقبتها تار وورث.
الحاج شاور لها على كرسي: — "اقعدي يا بنتي. من بكرة، هعلمك كل حاجة. هعلمك تقري الورق، وتحسبي المحصول، وتعرفي الكداب من الصادق. عدوك مش رفعت بس.. عدوك أي حد طمعان في اللي بقى باسمك."
عدت الأيام، ووردة اتحولت. مبقتش البنت اللي بتترعش. بقت تنزل الغيطان
رفعت كان بيتجنن. حاول يشتريها بالفلوس، حاول يخوفها، بعت لها تهديدات. بس وردة كانت خلاص داقت طعم إنها تبقى "حد".
بعد 6 شهور، الحاج بدأ يقف على رجليه، صحته ردت. وفي يوم جمع كل كبار البلد في السرايا، ورفعت في وسطهم.
الحاج وقف، وساند على عصايته، ووردة جنبه: — "أنا كنت بموت، ودي.. وشاور على وردة.. هي اللي أحيتني. مش عشان دوا، عشان وقفت في ضهري. السرايا والأرض، من النهاردة، إدارة وردة الهواري. واللي مش عاجبه، الباب يفوت جمل."
رفعت قام يصرخ: — "دي كانت بتتباع! أبوها باعها بقرشين!"
وردة تقدمت خطوة، وبصت في عينه قدام كل الناس: — "أيوة أبويا باعني. بس أنا اشتريت نفسي. واشتريت الحاج إبراهيم من الموت. ودلوقتي.. هبيع وأشتري فيك. قدامك أسبوع، تلم هدومك وتخرج من أرض الهواري، يا إما الورق اللي يوديك السجن هيبقى على مكتب النائب العام بكرة الصبح."
رفعت اتخرس. الناس كلها شهقت. محدش صدق إن البت الغلبانة اللي دخلت السرايا كأنها داخلة قبر، هي اللي هتطلع منها ملكة.
الحاج إبراهيم مات بعدها بسنتين، مات وهو راضي، وسايب السرايا والأرض والهيبة كلها في إيد وردة.
ووردة؟ وردة مبقتش بس