طردها من منزله
طردها من منزله لأنها لم تستطع أن تمنحه طفلاً. بعد ثلاث سنوات، رآها في إحدى الحدائق واكتشف الكذبة السوداء التي دمرت حياتها.
كانت نسائم الخريف تهب برفق على مسارات الحصى في حديقة الزهراء في القاهرة، تثير دوامة من الأوراق الذهبية التي ترقص في ضوء الغروب. الضجيج المستمر للعائلات والموسيقيين المتجولين والأطفال الذين يركضون كان مجرد خلفية صامتة بالنسبة لـ رامي القادري. في الخامسة والثلاثين من عمره، كان هذا الملياردير العقاري يمشي بوضعية صارمة وحاسمة كالمفترس المعتاد على ابتلاع شركات كاملة قبل الإفطار. بدلة سوداء فاخرة مفصّلة خصيصًا له ونظرة غامضة لا يمكن اختراقها جعلته يبرز مثل غراب وسط حقل من الزهور.
إلى جانبه، كانت خطيبته ليلى، وريثة من الطبقة الرفيعة، ترتدي فستان حريري باهظ الثمن، تتحدث بلا توقف. كانت أظافرها الحادة الحمراء تتمسك بذراع رامي بينما تشكو من سعر زهور الفاوانيا البيضاء المستوردة من هولندا لحفل زفافها القادم. صوتها الحاد المليء بالنرجسية كان يزعج أذني الملياردير، لكنه بالكاد كان ينتبه لها.
فجأة، تجمد رامي في مكانه. أحذيته الجلدية اللامعة غرست في الأرض، وخرج الهواء من رئتيه بضربة واحدة عنيفة. صمت العالم من حوله بالكامل، غارقًا في دقات قلبه المدوية التي كانت تضرب صدغيه.
أمام عينيه، على بعد أقل من عشرين مترًا، تحت أشعة الشمس الأخيرة وبظل شجرة بلوط ضخمة، كانت المرأة التي دمر حياته بنفسه. هناك كانت سلمى.
رمى رامي نظرة مرتعبة، شاعراً بأن الواقع ينهار تحت قدميه. عقيم. هذه كانت الكلمة، الحكم السريري البارد الذي قدمه أفضل الأطباء في ظرف مغلق. كانت التبرير المثالي الذي استخدمه، أعماه هوسه المرضي بالحصول على وريث لإمبراطوريته، ليطردها من حياته كأنها مجرد خطأ محاسبي. لقد أدار ظهره لها بينما كانت تتوسل له بأن الحب يجب أن يكون كافيًا، واستبدلها بسرعة بـ ليلى، الكنز المثالي.
والآن، المرأة "المعيبة" كانت على وشك الولادة. حوله، كانت المشهد لوحة من السعادة المطلقة: أطفال يلعبون على العشب، لكن نظر رامي انجذب مغناطيسيًا إلى الطفلة الجالسة على حضن سلمى. كانت فتاة صغيرة، لا تتجاوز الثلاث سنوات، ترتدي فستانًا مزينًا بالورود الوردية، تكدس مكعبات خشبية بينما كانت والدتها تقبل وجنتها بلطف.
غرست ليلى أظافرها في ذراع رامي، هازّته بغضب مطالبة بمعرفة ما الذي يحدق فيه بتلك الإصرار. في تصرف غريزي، انتزع رامي نفسه
ركل أحد الأطفال كرة حمراء تدحرجت مباشرة نحو حذاء رامي. أمسكها. رفعت سلمى نظرها من اللعب، وتجمّدت ابتسامتها فورًا. توقع رامي أن يرى الألم أو الدموع أو حتى الاستياء في عيني المرأة التي ألحق بها كل هذا الضرر. لكن ما وجده كان أسوأ بكثير: لامبالاة مطلقة ومدمرة. نظرت سلمى إليه بنفس اللامبالاة التي ينظر بها المرء إلى عقبة في الرصيف.
بهدوء أحرق أحشائه، رتبت سلمى الطفلة ونظرت في عيني الملياردير. "هل تريد شيئًا يا رامي، أم جئت فقط لتحجب عنا الشمس؟"، قالت بصوت بارد جمد الهواء من حوله. حاول الكلام، حاول صياغة احتجاج متغطرس حول التشخيصات الطبية التي دفع ثمنها، لكن صوته لم يكن سوى همسة متكسرة. قبل أن يتمكن من نطق جملة كاملة، ثبتت عينا الطفلة صاحبة الفستان الوردي فيه. حسب دماغ رامي الحسابات بدقة جراحية لا هوادة فيها. ثلاث سنوات بالتمام منذ الطلاق. ملامح الصغيرة، شكل فكها، شدة نظرتها… كان يرى انعكاسه في وجه تلك الطفلة الصغيرة. كانت ابنته.
عندما لاحظت سلمى اكتشافه المرعب، تصرفت كالأسد. أخفت وجه الطفلة على صدرها، وبصوت مملوء بالسم منعتها من مجرد تنفس نفس الهواء الذي يتنفسه، مؤكدة أن الطفلة
رامي وقف مكانه، مش قادر يتحرك. كان شايف سلمى وهي بتغادر، وبتأخد الطفلة معاها. كان شايف كل حاجة، بس مش قادر يستوعب. كان شايف نفسه وهو بيطردها من حياته، وهو بيدمّر حياتها. كان شايف نفسه وهو بيغلط، وهو بيكذب.
فجأة، سمع صوت ليلى وهي بتقوله: "رامي، إيه اللي بيحصل؟"
رامي بص ليلى، وعينيه كانت مليانة دموع. "ليلى، أنا غلطت. أنا كذبت."
ليلى بصت له، وعينيها كانت مليانة استغراب. "إيه اللي بيحصل؟"
رامي أخد نفس عميق، وبدأ يحكي. حكى ليلى كل حاجة، حكى لها عن سلمى، وعن الطفلة، وعن الكذبة السوداء اللي دمرت حياتها.
ليلى سمعت، وعينيها كانت مليانة دموع. "رامي، أنا آسفة. أنا مكنتش أعرف."
رامي بص ليلى، وعينيه كانت مليانة حزن. "أنا اللي آسف، ليلى. أنا اللي غلطت."
سكت رامي، وسكتت ليلى. كانوا شايفين بعض، بس مش قادرين يتكلموا. كانوا شايفين الكذبة السوداء اللي دمرت حياتهم، بس مش قادرين يغيروها.
فجأة، رامي أخد قرار. "ليلى، أنا هأصلح غلطتي. أنا هأرجع لسلمى، وهأطلب منها تسامحني."
ليلى بصت له، وعينيها كانت مليانة حزن. "رامي، أنت متأكد؟"
رامي هز راسه. "أيوة، أنا متأكد. أنا هأصلح غلطتي."
وراح رامي، وراح يبدأ رحلة جديدة، رحلة أصلاح