لمي حاجتك

لمحة نيوز

« لمي حاجتك وقدامك 48 ساعة وتكوني بره البيت.. البيت ده بقى بتاعنا خلاص....» أختي قالت الجملة دي الساعة 5 الصبح، وهي واقفة في المطبخ.. المطبخ اللي أنا كنت بدفع أقساطه وفواتيره من شقايا وتدبيري طول السنين اللي فاتت.....

كانت واقفة طبعاً في كامل أناقتها.. الطقم "فورمال"، والشعر مظبوط، ونفس نظرة الاستعلاء اللي بتفكرني بيها دايماً إني في نظرها مجرد "شغالة" وظيفتها تلم وراهم وتنضف كوارثهم....

وراها كان واقف جوزها "هاني"، بابتسامته الصفراء اللي دايماً بحس إنها سـ.ـم لابس توب الطيبة.

كنت لسه قاعدة قدام اللابتوب، وفي إيدي كوباية القهوة، براجع شغلي قبل الشروق.. الوقت الوحيد الهادي في اليوم اللي كنت بحس فيه إني بملك نفسي.
لكن الصبح ده، الهدوء مات للأبد....

"سمعتي اللي قلته؟" أختي كملت وهي مربعة إيدها، "بابا وماما موافقين.. أنا وهاني هننقل هنا، وأنتِ مش محتاجة كل المساحة دي لوحدك."

بصيت ناحية الطرقة....لقيتهم واقفين.

أمي مش قادرة تبص في عيني.. وبابا باصص للأرض كأنها أغلى عنده مني ومن كرامتي.
سألتهم بهدوء:
« موافقين؟ قصدكم البيت اللي شقايا ضاع فيه عشان أحميه من الحجز؟ » محدش

رد... السكوت ده كان هو الإجابة اللي قطعت قلبي.

هاني اتنحنح وتقدم بخطوة، وبدأ يتكلم بالنبرة "العقلانية" المزيفة اللي الرجالة بيستخدموها لما يحبوا يغلّفوا قسوتهم بكلام منطقي:

« بلاش مبالغة يا ولاء.. إحنا بنفكر في المستقبل، أنا وعبير عايزين نكون أسرة ونخلف، وأنتِ بسم الله ما شاء الله دخلك كويس وتقدري تبني حياتك في أي حتة تانية...»

ضحكت بمرارة..أبني حياتي؟
الكلام ده طالع من الشخص اللي محطش مليم واحد والبنك كان خلاص هيسحب البيت مننا؟
من سنين، بابا رمى شقى عمره كله في "سبوبة" طلعت نصبـ.ـاية كبيرة.. القروض كترت، والديون بدأت تاكل في جدران البيت، وفجأة الكل بص لي أنا...

البنت العاقلة..المهندسة اللي بتقبض مرتبها حلو....
اللي دايماً بتعرف تتصرف وتعدي المركب...أنا اللي لغيت كل خططي الشخصية..أنا اللي صرفت نظر عن إني أشتري شقة تمليك لنفسي..أنا اللي بدأت أسدد قسط ورا التاني عشان أهلي ميرموش في الشارع..

.مش بس كده..أنا اللي اشتريت طقم الصالون..والشاشة..والغسالة..وسفيرة السفرة
حتى الستائر وماكينة القهوة اللي أمي بتتباهى بيها قدام ضيوفها..

ودلوقتي بيطردوني كأني كنت ضيفة تقيلة عليهم؟


بصيت لأمي: "أنتِ فعلاً عايزة ده يا ماما؟"

فضلت تفرك في كم الروب بتاعها، وقالت الجملة اللي نهت كل حاجة جوايا:
« عبير محتاجة البيت أكتر يا بنتي.. أنتِ طول عمرك شاطرة وبتعرفي تسلكي أمورك لوحدك...»

مبكتش... لوجع اللي حسيته كان أبرد بكتير من الدموع.
هزيت راسي مرة واحدة.. قفلت اللابتوب.. وقمت وقفت.
« ماشي.. موافقة...»

أختي ابتسمت بانتصار.. جوزها ريح ضهره.. وبابا أخد نفس طويل كأنه ارتاح من حمل تقيل.
لكن أنا مكنتش بستسلم...أنا كنت بحسبها...

طلعت أوضتي، وفتحت الملف اللي شايلة فيه كل الفواتير، التحويلات البنكية، إيصالات الصيانات، وعقود الشراء من سنين...قطعة قطعة.. راجعتهم كلهم.

العفش.. الأجهزة.. التوضيبات.. كل مليم طلع من جيبي متوثق...وبعدها مسكت رزمة "ستيكر" أصفر.

على الضهر، كان البيت كله متغطي بالورق....

كلمة "بتاعتي" على التلفزيون..كلمة "بتاعتي" على الغسالة...كلمة "بتاعتي" على الكنب.. وعلى السفرة.. وعلى كل وسيلة راحة افتكروها حق مكتسب ليهم.

لما عبير شافت الورق ده، لونها خطف ووشها جاب ألوان.
ودي كانت أول مرة أبتسم فيها من الصبح.
عايزة البيت؟
تمام.. خدي الحيطان..

كانت

لسه متعرفش إن البيت من غير الست اللي كانت شايلاه على كتافها بيبقى مجرد خرابة.
واللي مكنوش يعرفوه كمان.. إني وأنا براجع الفواتير، لقيت حاجة تانية خالص...حاجة أهلي خبوه عني سنين....

سـ.ـر متعلق بــ........!!!!!

أختي عبير كانت بتتفرج على الورق اللي كنت لزقاه على كل حاجة في البيت، وكانت عينيها بتوسع من الصدمة. جوزها هاني كان بيحاول يخفي ابتسامته، بس كان واضح إنهم اتزنقوا.

أمي قامت وقفت، وقالت بصوت مهزوز: "ولاء، إنتِ بتعمل إيه؟ ده بيتنا!"

بصيت لها، وقلت بهدوء: "لا، ده بيتكم. أنا عندي ورق يثبت إن كل حاجة هنا بتاعتي."

بابا قام وقف، وقال بحدة: "إنتِ مش هتخرجي من هنا إلا على المستشفى!"

ضحكت، وقلت: "أنا مش محتاجة أخرج. أنا هأخد حاجتي، وأروح أبلغكم إنكم شغالين في بيت مش بتاعكم."

أختي عبير قالت بحدة: "إنتِ مش هتاخد حاجة!"

بصيت لها، وقلت: "أنا مش محتاجة أخد حاجة. أنا عندي ورق يثبت إن كل حاجة هنا بتاعتي. ولو محترمتوش نفسكم، هأبلغكم إنكم شغالين في بيت مش بتاعكم."

جمعت حاجتي، وخرجت من البيت. كنت بتبتسم، مش بس عشان أخدت حقي، لا عشان عرفت إنهم مش هيقدر ياخدوا مني حاجة تاني.

بس

اللي كنت مش عارفة، إن السـ.ـر اللي لقيته في الورق ده، هيغير كل حاجة...

تم نسخ الرابط