انا عندي 19 سنه بقـلم منـي السـيد 

لمحة نيوز

أنا كان عندي ١٩ سنة.... عايشة ومصدقة إني عارفة عيلتي كويس....أبويا، "جمال"، كان هو الراجل اللي أي حد يشاور عليه ويقول "ده النموذج". شقيان، وتعبان، وموجود دايماً.. من النوع اللي يرجع بورد وحلويات يوم الجمعة، 
وعمره ما نسي عيد ميلاد ولا مناسبة تخصنا.
ده اللي كنت فكراه.. على الأقل لحد المكالمة دي.....

— "إنتي بنت الأستاذ جمال؟"
سألني صوت واحدة ست، كان فيه رشة تردد وخوف.
— "أيوه أنا.. مين معايا؟"
حصل سكوت تقيل أوي على الناحية التانية، وبعدين قالت بصوت واطي:
— "أنا اسمي ليلى.. أنا.. أنا أظن إني أختك."
الدنيا وقفت بيا.. حرفياً.
— "أنا آسفة، بس أكيد النمرة غلط، أو حضرتك تقصدي حد تاني"
رديت وأنا بحاول أضحك، بس صوتي طلع غريب ومخنوق.
— "لا" ردت بسرعة "بابا هو اللي اداني رقمك.. قال لي إنك أكتر حد ممكن يساعدنا."
بقـلم منـي السـيد 
"بابا".. الكلمة خرجت منها بنفس النغمة اللي كنت بقولها بيها.
إيدي بدأت تعرق، وضربات قلبي كانت مسموعة في وداني زي الطبل. قلت لها بحدة:
— "الهزار ده ملهوش طعم، ومش مسموح بيه."
— "أنا مش بهزر" قالتها بنبرة يأس "أمي في المستشفى بين الحيا والموت.. وهو.. هو ملوش أثر، مش لاقيينه. أنا مش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين."
الخط قطع....حصري على صفحة روايات و اقتباسات 
وفضلت أنا واقفة في نص أوضتي..
ماسكة الموبايل اللي كان حاسة إنه بقى تقيل، تقيل أوي لدرجة توجع الإيد.
في الليلة دي، "جمال" مرجعش البيت.

. ودي حاجة مكنتش بتحصل أبداً....
وساعتها بس.. فيه حاجة جوايا اتكسرت.....

تاني يوم الصبح، روحت العنوان اللي ليلى بعتتهولي. محكيتش حاجة لأمي، مكنتش عارفة أبدأ منين ولا أقولها إيه....حصري على صفحة روايات و اقتباسات 
البيت كان في منطقة شعبية بسيطة.. حيطان مأشرة، وبوابة حديد مصدية، وجنينة صغيرة فيها كام لعبة قديمة مكسورة.
أول ما شافوني، فيه طفلين جريوا على الباب.
بنت عندها حوالي عشر سنين فتحت الباب وهي وشها منور:
— "إنتي جيتي! أخيراً جيتي!"
أنا اتسمرت مكاني:
— "أنا.. أنا شكلك مشبهة عليا يا حبيبتي."
— "لا!" ردت بحماس "إنتي أختنا الكبيرة.. بابا حكالنا عنك كتير!"

"أختنا الكبيرة".. الكلمة نزلت عليا زي الضربة على راسي.
وقبل ما أستوعب، ظهر طفل صغير، يمكن خمس سنين، شعره منكوش وعينيه كلها عشم:
— "إنتي هتقعدي معانا؟"
مقدرتش أنطق.. مكنتش عارفة المفروض أحس بإيه. أنا حتى مكنتش عارفة أنا مين في اللحظة دي.
لحد ما ظهرت ليلى.. كانت في سني بالظبط.
عينيها كانت محجرة وحمرا من كتر العياط. قالت وهي بتنهج من الراحة:
— "إنتي جيتي فعلاً.."
— "كان لازم أشوف بعيني" رديت بجمود.
دخلت البيت.. كان بسيط جداً، بس اللي كان بيوجع أكتر من الفقر.. هو "الفراغ"....

ليلى قالت لي:
— "أنا آسفة إني كلمتك بالشكل ده، بس مكنش قدامي حل تاني. ماما محجوزة في المستشفى، وأنا بشتغل طول النهار.. والولاد.."
بصت للعيال وكملت بدموع:
— "أنا مش قادرة أشيل الشيلة

لوحدي."
بلعت ريقي بصعوبة وسألتها:
— "وأبويا؟"
ضحكت ضحكة كلها مرار:
— "أبوكي؟ قصدك الأستاذ جمال؟ ده عمره ما بيبقى موجود وقت ما بنحتاجه."
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.. لأني في اللحظة دي فهمت.
في الوقت اللي كنت فاكرة إنه بيسهر في الشغل عشان يوفر لنا حياة كريمة.. كان بيبني حياة تانية.. وعيلة تانية.. وعيال تانية.. ووعود تانية لغيرنا.
ليلى كملت:
— "هو دايماً كان بيقول إنك بنت بـ ١٠٠ راجل، وإنك مسؤولة.. وإننا لو احتاجنا حاجة في يوم، إنتي اللي هتقفي جنبنا."
كنت عايزة أصرخ.. أقول إن ده مش عدل. إني مطلبتش ده، وإني ماليش ذنب في العك اللي هو عمله....
بس فجأة.. حسيت بحد بيشدني من لبسي.
بقلم منــي الـسـيد 
بصيت لتحت.. كان الولد الصغير.
— "إنتي بتعرفي تقرأي حواديت؟" سألني وعينيه بتلمع 
"بابا دايماً بيقول معنديش وقت."
قلبي.. اتخلع من مكانه في اللحظة دي.
خدت نفس عميق، وغمضت عيني ثانية واحدة.. ولما فتحتها، كنت أخدت قراري.
— "أيوة يا حبيبي بعرف.. وهنقرا كل الحواديت اللي إنت عايزها النهاردة."

في اليوم ده.. قعدت....
عملت لهم مكرونة، وساعدتهم في الواجب، وتحايلت على البنت الصغيرة اللي كانت بتعيط عشان عايزة مامتها لحد ما نامت.
غطيت الصغير ببطانية قديمة وخفيفة مكنتش كافية تحميه من برد الليل.
ومن غير ما أحس.. لقيت نفسي بقيت جزء من البيت ده.
لما جيت أمشي، كانت الدنيا ليل.
لقيته واقف هناك.. ساند على العربية.. مستنيني.


كأنه معملش حاجة.. كأن الدنيا ربيع.

— "كنت عارف إنك هتيجي" قالها بهدوء.
الغل غلى في عروقي زي النار:
— "كنت عارف؟ كنت عارف إني هكتشف خيانتك وكدبك بالشكل ده؟"
مسكتش، كملت بزعيق:
— "أنا عندي ١٩ سنة! وتاني يوم أصحى ألاقي عندي إخوات مكنتش أعرف عنهم حاجة؟ ألاقي إنك عايش بوشين؟"
حط إيده على وشه بتعب وقال:
— "مكنتش عايز حد يتوجع.."
ضحكت بسخرية ووجع:
— "مبروك.. عملت عكس اللي إنت عايزه بالظبط."
سكت.. سكوت تقيل يخنق. وبعدين قال بمنتهى البرود:
— "الولاد محتاجين مساعدة."

بصيت له بعدم تصديق:
— "وإنت؟ إنت فين من كل ده؟"
مردش.. لأننا إحنا الاتنين عارفين الحقيقة.
هو مش موجود في أي حتة.. لا هنا ولا هناك.. هو مش موجود غير لنفسه وبس.
في الليلة دي أخدت قرار هيغير حياتي للأبد.. بس قبل ما أنطق، قال جملة خلت الأرض تتهد تحت رجلي ........!! تمام، خلينا نكمل القصة:

"أنا هسيبها.. هسيب أمي وأخواتي وأروح معاك.. بس بشرط." قلت له ببرود.

"إيه هو؟" سأل، وعينيه فيها شوية حذر.

"تطلق أمي.. تطلقها من غير ما تاخد منها حاجة.. وتسيبها تعيش حياتها." قلت له بثقة.

جمال اتصدم، ووشه اتغير. "إنتِ بتقولي إيه؟ دي أمك!"

ضحكت بسخرية. "أمك؟ دي مراتك.. وأنا بنتك. ولو إنت مش عايز تعترف بيها، فأنا هعترف بيها.. وبإخواتي."

جمال سكت، وبعدين قال: "موافق."

في اليوم التاني، جمال طلّق أمي، وساب لها الشقة والفلوس. وأنا سبت بيتي، ورحت عيشة مع أمي وأخواتي.

كنت عارفة

إن القرار ده هيكون صعب، بس كنت عارفة إن ده الصح. كنت عارفة إني لازم أقف جنب أمي، وأحميها، وأحمي إخواتي.

تم نسخ الرابط