بعد 40 سنه
بعد 40 سنة وانا عقيم ربنا وهبلي زرق ورحمه على عتبه بيتي :
فتحت باب شقتها الساعة 6 الصبح، لقت طفلين زي القمر مركونين قدام الباب في كرتونة مقطعة.. بس الورقة اللي لقتها جوه الكرتونة خلت الدم يتجمد في عروقها.
سعاد كانت ست طيبة، بس الدنيا جاية عليها. بقالها 30 سنة نفسها في حتة عيل، اتجوزت واطلقت ، و السبب إن ربنا مارزقهاش بالخلفة. الأهل والجيران مابطلوش كلام يوجع، سعاد العاقر، سعاد اللي مابتطرحش، كلام يقطع القلب والروح.
سعاد كانت ست مؤمنة، مابتسيبش فرض، وعمرها ما قطعت رجاءها في ربنا. كل شهر كانت تلم اللي فيه النصيب من لبس وأكل وتروح تديهم لدار أيتام، تملى عينها من العيال وتدعي: يا رب، دوقني طعم الكلمة دي مرة واحدة.
لما الوجع زاد، قررت تسيب منطقتها وأهلها وكل اللي عارف قصتها، وقالت: يا أرض الله واسعة. أجرت شقة في مدينة بعيدة، مفيش فيها حد يعرفها ولا يعرف إنها مابتخلفش، وقالت هقعد فيها كام شهر أشوف الدنيا هترسي على إيه.
بعد كام يوم من سكنها، لقت بنت غلبانة خبطت على بابها، هدومها قديمة وشعرها منكوش، وقالت لها بكسرة:
يا ست الكل، أنا شفتك لسه ساكنة جديد وساكنة لوحدك.. أنا اسمي 'نعمة' وساكنة في نفس الشارع، لو احتاجتي حد يغسل، يكنس، يطبخ، أنا تحت أمرك، لقمة هنية تكفيني.
سعاد قلبها رق لها وقالت لها: ماشي يا نعمة، هاتي رقم موبايلك عشان أكلمك. نعمة نزلت
سعاد شكرتها، وأول ما نعمة مشيت، لقت جارة من الجيران طالعة لها وبتحذرها:
يا ست هانم، البت دي حرامية ومقشفة، ابعدي عنها بدل ما تسرقك، دي بتدخل البيوت عشان تعرف السكة وتنهب اللي فيها. سعاد شكرتها، بس مابطلتش تحن على نعمة وتديها أكل، ونعمة كانت تاخد الأكل وتمشي، ماتاكلوش عندها أبداً.
في ليلة، سعاد صلت ورقدت، حلمت حلم غريب.. لقت نعمة جاية وبتسلمها طفل صغير في إيدها. قامت صلت ورجعت نامت، فحلمت بنفس الحلم بس المرة دي نعمة بتسلمها طفلين مش واحد!
الساعة دقت 6 الصبح، سعاد سمعت صوت عياط عيال صغيرين قدام الباب. في الأول قالت يمكن عيال الجيران، بس العياط فضل مستمر وملازق للباب. فتحت الباب، لقت كرتونة فيها طفلين توأم، ولد وبنت، عندهم بتاع 4 شهور، والاتنين بيصرخوا من الجوع.
سعاد اتخضت وركبتها سابت، مالمستهمش في الأول من كتر الرعب. جرت على الجيران تسأل حد يعرف حاجة؟ محدش عرف. الجيران قالوا لها: يا ست سعاد، ارميهم في أي خرابة ولا على جنب الطريق والبوليس هياخدهم، إنتي ناقصة وجع دماغ؟
بس سعاد رجعت شقتها وقفلت الباب، وافتكرت الحلم وشوقها للضنا.. حست بسلام وهدوء في قلبها وقالت: اللي سابهم هنا أكيد هيرجع لهم.. يمكن ربنا بيختبر
شالت الكرتونة ودخلت بيها الشقة، وأول ما رفعت الغطا عنهم عشان تنضفهم، لقت ورقة صغيرة مكتوبة بخط مهزوز في قعر الكرتونة، مكتوب فيها:
أرجوكي يا ست الكل، خدي بالك من العيال دي. لسه صغيرين أوي على الشقا والمرار اللي شفته. حاولت كذا مرة إني أموتهم عشان أريحهم وأريح نفسي، بس قلبي مطاوعنيش. بالله عليكي ربيهم وعوضيهم، هما يستحقوا الحب، مش الجوع والذل.
سعاد انهار عياطها، وبقت تقول لنفسها: يا حبيبتي يا بنتي، إيه اللي رماكي على المر ده؟ شكت إنها أم عازبة ضاقت بيها الدنيا ومقتلتش ولادها بس رمتهم لأحن قلب شافته.
من غير تفكير، سعاد نزلت السوق، جابت لبن وببرونات وهدوم وكل اللي العيال محتاجينه. كانت مهتمة بيهم كأنهم حتة منها، لدرجة إنها من كتر حنانها كانت بتحاول ترضعهم من صدرها وهي عارفة إن مفيش لبن، بس كانت بتدور على أي وسيلة تحسسهم إن ليهم أم.
بس فجأة، سعاد لاحظت حاجة غريبة جداً.. من يوم ما لقت العيال دي، ومن يوم الأحلام اللي كانت بتشوف فيها نعمة وهي بتسلمها الأطفال، ونعمة مالهاش أثر! البنت فص ملح وذاب.
سألت الجيران، سألت الناس في الشارع: محدش شاف البت الغلبانة اللي كانت بتلف هنا؟ الكل كان رده واحد: ولا نعرف عنها حاجة، هي أصلاً كانت مقطوعة من شجرة.
عدى سته شهور وسعاد متهنية بالعيال، ومحدش سأل عليهم ولا حد طرق
وفي صباح يوم، وسعاد قاعدة بتلاعبهم، الباب خبط خبطة خفيفة......سعاد قامت فتحت الباب، ولقت نعمة واقفة على الباب، وشها شاحب وعينيها غرقانة دموع.
"نعمة؟" سعاد قالت بصوت واطي. "إنتِ فين؟ إيه اللي حصل؟"
نعمة دخلت الشقة بسرعة، وقفلت الباب وراها. "يا ست الكل، أنا آسفة.. آسفة على كل حاجة."
سعاد قالت: "إيه اللي حصل؟ إنتِ فين؟ والعيال؟"
نعمة قعدت على الكرسي، ودموعها نزلت. "أنا.. أنا مريضة.. مريضة جدًا. وأنا ماليش حد.. مفيش حد يساعدني."
سعاد قربت منها، ومسكت إيدها. "إيه اللي حصل؟ قولي لي."
نعمة بصت للعيال، وابتسمت ابتسامة حزينة. "أنا.. أنا أمهن. أنا ولدتهم."
سعاد اتصدمت. "إنتِ؟ ليه؟ ليه رمتيهم؟"
نعمة بصت في الأرض. "أنا مريضة.. مريضة بالمرض اللي مالهوش علاج. مكنتش عايزة أخليهم يعيشوا عذاب معايا. عايزة أخليهم يعيشوا حياتهم.. يعيشوا مع حد حنين عليهم زيك."
سعاد كانت مش قادرة تتكلم. "نعمة.. ليه ما قولتيش لي؟"
نعمة مسكت إيد سعاد. "أنا آسفة.. آسفة على كل حاجة. بس أنا عايزة أطلب منك طلب.. خليكي معاهم.. خليكي أمهم."
سعاد كانت بتبكي. "أنا.. أنا هكون أمهم.. هكون أمهم."
نعمة ابتسمت، ومسكت إيد سعاد. "شكرًا.. شكرًا يا ست الكل."
وسعاد كانت عارفة إنها هتعيش مع العيال، وهتكون أمهم، وهتربيهم، وهتحبهم.
هل نعمة