كنت بصيف

لمحة نيوز

"كنت بصيف في شقتي اللي ع البحر، لقيت مرات ابني بتكلمني وتقول لي: 'روحي شوفي لك لوكاندة وسيبي لنا الشقة نأخد راحتنا مع أهلي'.. مـاتعرفش إني رجعت ومعايا الورقة اللي هتهد المعبد على دماغها!"
الوجع مكنش في الجملة نفسها.. الوجع كان في البرود اللي قالت بيه الكلام.
كنت واقفة في شقتي، ملكي، اللي ع البحر في "الجونة".. كنت بأخد نفسي أخيراً بعد تعب سنين، وماسكة كباية القهوة وبستمتع بالهوا، لما لقيت "هنا" مرات ابني بتطلب مني أمشي وأروح أقعد في فندق.
مش عشان فيه مصيبة..
ولا عشان حد تعبان..
ولا عشان فيه مشكلة..
عايزة الشقة ليها ولأهلها وبس.
أنا اسمي "هدى"، عندي 64 سنة، والشقة دي مـاوقعتش عليا من السما.
مـاحدش ادهالي هدية.. أنا دفعت تمنها من عمري، من شيفتات شغل مـابتخلصش، من تعب شلته فوق كتافي، ومن تضحيات مـاحدش بيحس بيها لما يشوف ست كبرت ويفتكر إن خلاص "راحت عليها".
كل زرعة في البلكونة دي..
كل ستارة.. كل كرسي.. كل طبق في المطبخ..
كل ده فيه حتة من عمري.
فلوسي، وقتي، ذكرياتي.
ومع ذلك، "هنا" بتكلمني كأني أنا "الضيفة"!
قالت لي بكل ثقة: "ماما وبابا محتاجين خصوصية يا طنط.. إنتي ممكن تروحي تقعدي في أي بنسيون بسيط، إنتي مـابتتشرطيش

يعني."
دي لوحدها كفاية.. بس اللي كسر قلبي بجد هو اللي قالته بعدها.
قالت إنها اتكلمت مع ابني "مازن".
ابني الوحيد.. اللي ربيته لوحدي.. اللي شقيت عشان مـايبقاش محتاج حاجة.
بتقول لي إن مازن "موافق جداً" إني أسيب شقتي عشان هما يتبسطوا كام يوم!
مـازعقتش..
مـاعيطتش..
مـاديتهاش الفرصة إنها تشمت فيا.
قلت كلمة واحدة: "مفهوم."
ساعات الهدوء مـابيبقاش استسلام..
ساعات الهدوء بيبقى اللحظة اللي قلبك فيها بيتحول لـ "حديد".
لميت شنطتي، وخرجت من البرج، ورحت حجزت في "لوكاندة" تعبانة، هي اللي كانت مرشحاها لي بصوتها اللي كله تلطيش وكبرياء.
الأوضة كانت ضيقة.. التكييف بيطلع صوت يصدّع.. والشباك باصص على جراج.
ده المكان اللي مرات ابني شافت إنه "مقامي"، وهي عمالة تفتح قزايز الشرب في بلكونتي!
وفعلاً، ده اللي عملته.
في نفس الليلة، نزلت صورة من بلكونتي، والبحر وراها، وكتبت "بوست" دمه يلطش:
"أخيراً في جنتنا الخاصة اللي ع البحر."
"جنتنا"؟
قريت الكلمة دي كذا مرة.. وبدأت آخد "سكرين شوت".
الصورة.. التعليقات.. وكمان "ستوري" لأبوها وهو بيهزر ويقول إنه عايز "يجدد العفش".
سفرتي.. كنبتي.. مطبخي.. حياتي.
بيتكلموا كأن الملكية اتنقلت ليهم خلاص و"القديم
مـات".
هنا كلمت "أستاذ رأفت".. المحامي بتاعي وصديق عمري.
الراجل اللي سمعني من غير ما يقاطعني ولا يقول لي "يمكن سوء تفاهم".
فهم فوراً اللي أنا عارفاه.
دي مش مجرد قلة ذوق.. دي "خطة" للاستيلاء على كل حاجة.
إهانة متغلفة بـ "كلام عائلي".
تاني يوم الصبح، والبحر بيلمع تحت الشمس، لبست بمنتهى الهدوء.
فستان بسيط.. شعري ملموم.. وضهري مفرود.
أستاذ رأفت جه ومعاه شنطة جلد تقيلة.. ورق، بس وزنه أتقل من الدهب.
لأن الحقيقة ليها وزن.
وأنا راجعة الشقة، مـافكرتش في الانتقام.
فكرت في كرامتي.. وفي العادة اللي لازم أكسرها؛ إني كنت دايماً بعدي الغلط عشان "المركب تمشي".
وصلنا الشقة، وسمعت ضحكهم من ورا الباب.
ضحك.. في بيتي.. وهما طارديني منه.
المحامي بص لي نظرة واحدة، كأنه بيسألني: "جاهزة؟"
هزيت راسي.. قلبي كان بيدق في ضلوعي، بس إيدي كانت ثابتة.
رنيت الجرس.
الباب اتفتح.. وطلعت لي "هنا"، وماسكة الكاس في إيدها ومركبة "ابتسامة الصفراء" اللي اختفت أول ما شافت إني مش لوحدي.
وراها، كان أهلها عمالين يبصوا في الشقة كأنهم "بيثمنوا" ممتلكاتهم الجديدة.
تفتكروا "هدى" هتعمل إيه بالورق اللي معاها؟ هل هتطرد "هنا" وأهلها في الشارع قدام الناس؟ وهل ابنها
"مازن" هيعرف يلم اللي انكسر لما يعرف إن أمه سحبت منه "التوكيل" اللي كان فاكره ضمان لمستقبله؟


دخلت الشقة، وأنا مبتسمة ابتسامة هادية. أستاذ رأفت كان ورايا، وشايل الشنطة الجلد.

"هنا" قالت بصوت متعجب:

"إيه ده؟ إنتِ رجعتي ليه؟"

أنا قلت بصوت هادي:

"رجعت لأني صاحبة الشقة. وأنا مش هاسيبها لأي حد."

أستاذ رأفت فتح الشنطة، وطلع منها ورق.

"هنا" بصت في الورق، وعينيها وسعت من الصدمة.

"إيه ده؟" قالت بصوت مرتجف.

أستاذ رأفت قال:

"ده عقد بيع الشقة باسم هدى. وده توكيل من مازن، بيقول فيه إنه مالهوش أي حق في الشقة دي."

"هنا" بصت لي، وكانت متصدمة.

"إزاي؟" قالت بصوت خافت.

أنا قلت:

"إزاي إيه؟ أنا اللي اشتريت الشقة دي، وأنا اللي دفعت تمنها. ومازن مالهوش أي حق فيها."

أهلها قاموا وقفوا، وكانوا غضبانين.

"إنتِ بتطردينا من الشقة؟" قال أبوها بصوت عالي.

أنا قلت بصوت هادي:

"لا، أنا مش بطردكم. أنا بس بستعيد حقي. ولو عايزين تفضل هنا، هتدفعوا إيجار."

"هنا" قالت بصوت مرتجف:

"مازن هيعمل إيه؟"

أنا قلت:

"مازن هيعمل ما يلزم. بس الشقة دي مش ملكه. وهي مش ملككم."

أستاذ رأفت قال:

"لو سمحتوا، لازم تخرجوا من الشقة دلوقتي. وإلا هنرفع

عليكم قضية."

"هنا" وأهلها خرجوا من الشقة، وكانوا غضبانين. وأنا قعدت على الكرسي، وكنت متعبة بس سعيدة.

تم نسخ الرابط