خمس سنين

لمحة نيوز

خمس سنين وأنا شايلة شيلته، مخلتش مليم في جيبي عشان هو يلبس الأبيض ويبقى "دكتور". ويوم ما استلم الشهادة، وبدل ما يمسك إيدي ويشكرني، حط في إيدي ورقة طلاقي وقال بمنتهى البرود: "أنا خلاص كبرت عليكي.. مش دي الهيئة اللي تليق بمراتي كدكتور." قسوته وجبروت قلبه وجعوني أكتر  وقعت الورقة من غير ما أنطق ولا كلمة، وفي لحظة كنت اختفيت من حياته تماماً.
بعد سنة واحدة، الدنيا دارت، واسمي ظهر قدامه من تاني، بس المرة دي عرف إنه ضيع من إيده أكتر إنسانة كانت باقية عليه.
خمس سنين كنت أنا اللي بدفع الفواتير، وبشيل همّ "الجمعيات" عشان مصاريف كليته. "حازم" جوزي كان كل حلمه يبقى دكتور، وأنا عملت المستحيل عشان الحلم ده. مصاريف الكلية، إيجار الشقة، الأكل، وحتى الكتب والمراجع الغالية.. كنت بشتغل ورديتين، وبحرم نفسي من اللقمة ومن لبس العيد، وبقول لنفسي: "معلش يا بنت حلال، بكرة يتخرج ونعوض كل ده، وتعيشي الهنا اللي وعدك بيه."
يوم تخرجه، كنت قاعدة في القاعة، قلبي بيدق من الفرحة وإيدي وجعتني من كتر التصفيق. كنت فخورة بيه وكأني أنا اللي اتخرجت. بس هو.. ولا مرة بص ناحيتي، ولا حتى ضحك لي في وسط الزحمة.
الكاتبه

نور محمد 
في الليلة دي، رجعنا البيت، وحط ظرف على ترابيزة السفرة. فتحته وأنا قلبي مقبوض.. لقيتها "ورقة طلاق". مترتبة وجاهزة، من غير كلمة اعتذار واحدة، ومن غير حتى ما عينه تترعش.
قالها بكل هدوء، كأنه بيرجع كتاب استلفه من المكتبة: "بصي يا سارة.. أنا خلاص عديت المرحلة دي، والجوازة دي مقتش مناسبة للبرستيج والحياة اللي أنا داخل عليها كدكتور."
فضلت باصة له، مستنية صوته يتهز، أو يقول إنه بيهزر.. مفيش. هدوءه القاتل ده أهاني أكتر من أي خناقة. سألته بصوت واطي: "واللي عملته؟ شقاي وتغربي في الشغل عشانك؟"
هز أكتافه ببرود وقال: "ده كان اختيارك.. محدش ضربك على إيدك."
في اللحظة دي، حاجة جوايا انكسرت وماتت. وقعت الورقة بمنتهى الهدوء. مطلبتش منه مليم، ولا عيطت، ولا فكرته بوقفتي جنبه. لميت هدومي في شنطة واحدة وسبت الشقة في نفس الليلة.
أول ما إجراءات الطلاق خلصت، مسحت نفسي من حياته.
قفلت الفيسبوك، غيرت رقم تليفوني، وقدمت استقالتي. سافرت لمدينة تانية، مكان محدش يعرفني فيه إني "الست اللي شقيت عشان جوزها يترقى ويسيبها". كنت خلاص تعبت من دور "الضحية" وقررت أبقى بطلة قصتي أنا.
سارة سابت كل حاجة وراها…
مش بس شقة أو ذكريات… سابت نسخة كاملة من نفسها كانت عايشة لحد ما اتكسرت.
في المدينة الجديدة، بدأت من الصفر. شقة صغيرة، شغل عادي في الأول، وهدوء غريب كانت محتاجاه عشان تلم نفسها. أول شهور كانت قاسية… الوحدة كانت بتنهش فيها، وذكريات الخذلان بتيجي فجأة من غير استئذان.
بس سارة المرة دي كانت مختلفة.
بدل ما تعيط، بدأت تتعلم.
خدت كورسات، طورت من نفسها، واشتغلت على مهارة كانت دايمًا بتحبها: إدارة المشاريع وتنظيم الأعمال. كانت بتشتغل بالنهار، وتتعلم بالليل… نفس التعب، بس المرة دي لنفسها.
سنة واحدة بس… وكانت النتيجة حاجة عمرها ما كانت تتخيلها.
بقت مديرة في شركة كبيرة، اسمها بقى معروف في مجالها، وشخصيتها بقت أقوى بكتير من البنت اللي كانت بتستحمل عشان "الحب".
وفي يوم عادي جدًا…
كانت واقفة في قاعة كبيرة بتحضر مؤتمر طبي إداري… داخلة كـ"متحدثة".
وقبل ما تطلع على المسرح، سمعت اسم حد خلى قلبها يقف لحظة:
"الدكتور حازم…"
لفت وشها ببطء…
وشافته.
بس المرة دي… مش هو اللي شايفها من فوق.
كان واقف وسط ناس كتير… بس باين عليه التوتر، وكأنه لسه بيحاول يثبت نفسه.
عينيه وقعت عليها فجأة…
وساعتها… الزمن وقف.
اتجمد
مكانه… ملامحه اتبدلت من ثقة لصدمة، ثم لندم واضح.
قرب منها بخطوات مترددة: "سارة؟!"
بصت له بهدوء… نفس الهدوء اللي وجعه زمان، بس المرة دي كان مليان قوة: "أيوه."
فضل ساكت لحظة، وبعدين قال: "أنا… دورت عليكي كتير…"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، مش سخرية… لكن نضج: "وأنا لقيت نفسي."
بلع ريقه وقال بصوت مكسور: "أنا غلطت… كنت غبي…"
قاطعته بهدوء: "كنت واضح."
سكت تاني… وبص في الأرض: "ممكن نبدأ من جديد؟"
هنا سارة ضحكت ضحكة صغيرة، فيها وجع قديم… بس مفيهاش ضعف: "من جديد؟ مع مين؟ مع البنت اللي كانت بتجري وراك وتدفع تمن حلمك؟ ولا مع الست اللي واقفة قدامك دلوقتي؟"
مردش.
كملت هي: "أنا اتغيرت يا حازم… بس مش عشان أرجع لورا."
وفي اللحظة دي، نادوا اسمها على المسرح.
"الأستاذة سارة…"
بصت له آخر بصه… وقالت: "خلي بالك من نفسك… المرة دي بجد."
وسابته… وطلعت.
وقفت قدام المايك، والأنوار مسلطة عليها… وجمهور كبير مستنيها.
ابتسمت بثقة… وبدأت كلامها:
"في ناس بتفتكر إن النجاح بييجي لما تكسب حد… بس الحقيقة، النجاح الحقيقي بيبدأ لما تبطل تخسر نفسك."
وفي آخر القاعة…
كان حازم واقف.
بيسقف.
بس المرة دي… مش فخور بيها كإنها "بتاعته"

لكن ندمان… إنها عمرها ما بقت ليه أصلاً.

تم نسخ الرابط