طالب جامعي

لمحة نيوز

طالب جامعي مغترب فضل شهور ينضف بيت لست عجوز ويطبخ لها، ويوديها للدكاترة… وكل خميس يمشي من غير ولا جنيه، بس بوعد إنها “هتحاسبه قريب”… لحد ما ماتت، وكل الناس افتكرته اشتغل ببلاش… لحد ما فتح الجواب اللي سابته له، وقرأ أول سطرين بس، واتصدم من الحقيقة اللي كانت مستخبية طول الوقت..!"
بقلم منــي الـسـيد 
أنا اسمي عمر، عندي 21 سنة، طالب في سنة تالتة جامعة هنا في القاهرة. وزي أي شاب بيحاول يشيل نفسه ويخفف الحمل عن أهله، كنت بشتغل أي حاجة تيجي قدامي.. دروس خصوصية، شيفتات في كافيه، شيل صناديق، مشاوير.. المهم "القمية" تتحرك والمصاريف تتدبر....

في يوم، وأنا بقلب في جروبات "فيسبوك" بتاعة الشغل، لقيت إعلان لواحدة ست مسنة محتاجة حد ينضف لها بيتها في حارة ضيقة من حواري "وسط البلد". الأجر ماكنش خيالي، بس بالنسبة لي كان يسند. الست دي كان اسمها "الحاجة كريمة"...

أول مرة خبطت على بابها، اتصدمت.. الست كانت "هشه" بزيادة، ملامحها مرسوم فيها شقا السنين، شعرها أبيض زي التلج، وإيد بتترعش وهي ماسكة العكاز كأنه هو اللي شايلها مش العكس. بيتها كان عبارة عن شقة قديمة، ضلمة، والزمن واقف فيها عند السبعينات..راديو قديم مركون، صور بهتانة على الحيطان، وسرير خشب

صوته يوجع القلب مع كل حركة... حصري على صفحة روايات و اقتباسات 
قالت لي إن عندها روماتيزم وضغطها عالي، ومبقتش قادرة حتى تكنس الأرض، وعاوزة حد يجي مرة في الأسبوع يساعدها مقابل 200 جنيه في الزيارة. المبلغ ده بالنسبة لطالب مغترب زيي كان يعني مواصلات أسبوع وأكل يومين.. يعني "نفس" أقدر أتنفسه. وافقت فوراً.
بقلم منــي الـسـيد 
مع الوقت، بدأت أشوف حاجات الوجع فيها أكبر من مجرد نضافة بيت. التلاجة كانت دايمًا فاضية.. بيضتين، شوية خضار دبلان، أو شوية رز مسلوق. لما سألتها: "فين ولادك يا حاجة؟"، ردت بابتسامة مكسورة: "يا بني كل واحد في حاله، مش عاوزه أشغلهم بيا"....

الكلمة دي لفت في دماغي وما سكتتش. بقيت بعد ما أخلص نضافة، أنزل السوق أجيب لها حتة فرخة أو شوية خضار طازة وأطبخ لها لقمة سخنة. كانت عينيها بتلمع لما بوقّف قدامها طبق الشوربة، وكأن البيت الضلمة ده فجأة نورت فيه الروح....

لما كان التعب بيزيد عليها، كنت باخدها "قصر العيني" وأقعد بالخمس ساعات في الطوابير عشان تصرف دواها. وفي مرة، وإحنا راجعين، طبطبت على إيدي وقالت بصوت واطي: "فكرتني بابني الصغير.. كان حنين زيك يا عمر".
حصري على صفحة روايات و اقتباسات 
الغريبة إنها ولا مرة

دفعت لي مليم!
كل مرة تقول لي: "الأسبوع الجاي يا عمر"، "أول ما المعاش ينزل"، "حقك محفوظ يا بني وهراضيك قريب".

كنت بمشي كل خميس وجيوبي فاضية، بس قلبي كان بيجبرني أرجع. مكنتش بشتغل عشان الفلوس خلاص، كنت حاسس إني بؤنس وحدتها في آخر فصول حياتها.
الصدمة في الجواب
وفعلاً، "الحاجة كريمة" اتوفيت.

بعد الجنازة اللي ولادها جم فيها لابسين أغلى لبس وراكبين أحسن عربيات، لقيت المحامي بيدي بيدي جواب مكتوب عليه اسمي بخط إيد مهزوز وحبر أزرق....

فتحت الجواب وأنا متوقع كلمة شكر أو اعتذار إنها مالحقتش تدفع لي.. بس اللي قريته خلاني مش قادر أقف على رجلي ووو......!!
كملت قراية الجواب وإيدي بتترعش…
"يا عمر…
لو إنت بتقرا الكلام ده، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا… بس قبل ما أمشي، كان لازم أقولك الحقيقة اللي خبيتها عنك كل الشهور اللي فاتت."
وقفت لحظة… قلبي بيدق بسرعة غريبة… كأني حاسس إن اللي جاي مش سهل.
كملت…
"أنا مش ست غلبانة زي ما إنت فاكر… ولا عايشة على قدّي… أنا كان عندي فلوس… وبيتي ده بس اللي سيبته زي ما هو عشان أختبر الناس… وأشوف مين هيعاملني لوجه الله ومين مستني المقابل."
وقعت مني الورقة… وبصيت حواليّا في الشقة اللي كنت فاكرها شاهدة على الفقر… طلعت شاهدة

على اختبار!
رجعت كملت وأنا مش مصدّق…
"ولادي… زي ما إنت شفت… سابوني. كل واحد فيهم مستني اليوم اللي أموت فيه عشان ياخد نصيبه. محدش فيهم سأل عليّا بجد… ولا مرة.
إلا إنت…
إنت الوحيد اللي جيت عشان تساعد… وكملت عشان قلبك مش عشان فلوس."
دموعي نزلت غصب عني…
"كل مرة كنت بقولك (الأسبوع الجاي)… كنت باختبرك… وكنت بدعي ربنا يثبتك… وفعلاً، إنت نجحت في أصعب اختبار."
إيدي كانت بتترعش أكتر…
"عشان كده… سيبت وصية عند المحامي…
كل اللي أملكه… باسمي أنا… بقى باسمك إنت يا عمر."
سكت… ومش قادر أستوعب.
كملت آخر سطرين…
"أنا معنديش حاجة أقدّمها لابني اللي ضاع مني…
بس ربنا عوضني بيك…
سامحيني يا رب لو اتأخرت…"
وقعت على الكرسي وانهرت…
المحامي دخل في اللحظة دي وقال بهدوء: "البقاء لله… واضح إنها كانت شايفاك ابنها بجد… الوصية اتنفذت… الشقة دي، وحساب في البنك… وكل حاجة باسمك."
في اللحظة دي…
افتكرت كل مرة كنت بمشي فيها من غير جنيه…
كل مرة كنت بطبخ لها…
كل مرة كنت قاعد جنبها في المستشفى…
افتكرت ضحكتها…
وفهمت أخيرًا…
إن اللي كنت فاكره “شغل ببلاش”…
كان في الحقيقة أكبر أجر ممكن آخده في حياتي.
بس الغريب…
إني رغم كل ده…
أول حاجة عملتها، إني دخلت أوضتها… وقعدت على السرير…
وبكيت…
مش على الفلوس…
على إن الإنسان الوحيد اللي حسّ بيّ…
مشي.

تم نسخ الرابط