حماتي ميلت
حماتي ميلت على ودني في العزا، وهمست: "مش هتاخدي ولا مليم من الـ ٥٠ مليون اللي ابني سابهم...
اطلعي منها زي ما دخلتي بالشنطة اللي في إيدك".. افتكرت إن ده مجرد كلام ست محـ.ـروق قلبها على ابنها.
بس ده كان قبل ما المحامي يبص لينا ويقول بهدوء:
"دلوقتي هنقرأ البند رقم سبعة."
وفي اللحظة دي.. الضحكة رجعت لوش حماتي، وأنا اللي الدنيا اسودت في عيني.
القصة بدأت قبلها بسنين..
من أول يوم دخلت فيه البيت. أحمد جوزي بدأ حلمه من مكتب صغير في جراج في شبرا، وأنا كنت معاه خطوة بخطوة. بعت صيغتي عشان نشتري أول أجهزة، وكنت بسهر معاه نراجع الحسابات ونرتب الأبليكيشن اللي بقى بـ ٥٠ مليون جنيه.
لكن حماتي مكنتش شايفاني غير "الدخيلة" اللي خطفت ابنها. كانت قدام الناس "الأم المثالية" الطيبة اللي بتصلي وتعرف ربنا، لكن ورا الأبواب كانت بتمارس ضغوطها على أحمد. كانت دايمًا تقوله: "يا ابني دي غريبة، بكره تبيعك وتآخد شقاك.. امنع عنها كل حاجة."
وأحمد، بقلبه الطيب
بعد أسبوعين، اتقابلنا في مكتب المحامي في الزمالك.
المكان كان فخم، وحماتي جاية ولابسة الطرحة السـ.ـوداء والسبحة في إيدها، ملامحها هادية بشكل يرعب. أنا كنت قاعدة مكسورة، مش بفكر في الفلوس، كنت بفكر في ذكرياتي اللي بتضيع.
المحامي فتح الملف وبدأ يقرأ:
العقارات.. الحسابات.. الأسهم..
وفجأة سكت، وبص لي بنظرة شفقة، وقال بصوت واضح:
"ودلوقتي.. هنقرأ البند رقم سبعة."
في اللحظة دي، حماتي سابت السبحة، وسندت ضهرها لورا بانتصار.
البند ده مكنش مجرد تقسيم ورث.. ده كان الصدمة اللي خلت الأرض تلف بيا.
أحمد كان كاتب "إقرار تنازل بيع وشراء" بكل أملاكه لأمه قبل وفاته بشهر واحد، وتحته البند السابع اللي بيقول: "تؤول كل أصول الشركة والحسابات للسيدة والدتي، وللزوجة حق السكن فقط بشرط عدم الزواج مرة أخرى!"
حماتي بصت لي بابتسامة صفرا وقالت:
"مش قولتلك يا نيرمين؟
بصّيت لها بهدوء غريب… هدوء مش شبه اللي جوايا خالص.
ابتسمت.
آه… ابتسمت وأنا شايفة الدنيا بتنهار حواليا.
والمحامي لسه بيبصلي بنظرة شفقة، كأنه مستني انهياري في أي لحظة.
لكن بدل ما أعيط… قلت جملة قلبت القعدة كلها:
"حضرتك كملت قراءة البند؟… ولا لسه؟"
المحامي اتفاجئ، وبص في الورق تاني، وقال: "الحقيقة… فيه تكملة صغيرة تحت البند السابع…"
هنا… اللون اتسحب من وش حماتي لأول مرة.
قعدت مستقيمة وقالت بتوتر: "تكملة إيه؟ ما هو واضح!"
المحامي عدّل نظارته وبدأ يقرأ:
"في حال ثبوت أي ضغط أو إكراه أو تلاعب نفسي أو مادي على المُقر (أحمد)… يُعتبر هذا التنازل لاغيًا بقوة القانون، وتؤول جميع الممتلكات للزوجة الشرعية المذكورة أعلاه."
سكون.
سكون تقيل وقع على الأوضة.
حماتي قامت واقفة فجأة وقالت بعصبية: "يعني إيه الكلام ده؟! ضغط إيه؟!"
بصّيت لها… نفس الابتسامة الهادية… بس
"يعني… التسجيلات اللي أحمد كان سايبها… هتتسمع."
المحامي اتنحنح وقال: "فعلاً… الأستاذ أحمد كان مسلّم فلاشة فيها تسجيلات صوتية… وموثقها بتاريخ قبل الإمضاء بشهرين."
إيد حماتي بدأت ترجف.
وأنا كملت: "أصل أحمد… مكنش طيب بس… كان فاهمك كويس."
المحامي شغّل التسجيل…
وصوتها هي… مليان تهديد: "لو ما كتبتش كل حاجة باسمي… هخليك تخسر كل حاجة… وهخرب بيتك بإيدي!"
بعدها صوت أحمد… مكسور: "ليه يا أمي كده…؟!"
دموعي نزلت… بس مش ضعف… لا…
دي كانت نهاية حرب طويلة.
المحامي قفل التسجيل وقال بحزم: "كده… التنازل لاغي. وكل الممتلكات من حق الزوجة."
حماتي انهارت على الكرسي… وشها بقى أصفر… وعينيها فيها صدمة عمرها ما عاشتها.
بصّت لي وقالت بصوت متقطع: "إنتي… إنتي كنتي عارفة؟!"
قربت منها… وقلت بهدوء:
"أنا ماكنتش عارفة… بس أحمد كان عارفك."
وساعتها بس… حسّيت إن حقي رجع.
مش الفلوس…
حق السنين… حق التعب… وحق قلبي اللي اتحرق وسكت.
طلعت من المكتب…
بس المرة دي…
مش زي ما دخلت.