بينتي نور
بنتي "نور" فضلت واقفة في المطبخ 3 أيام عشان تجهز عزومة لـ 23 نفر في عيد ميلاد جدتها . وفي اللحظة الأخيرة، جدها بعتلي رسالة: "إحنا غيرنا رأينا وهنسهر في مطعم.. والخروجة للكبار بس". أنا معملتش مشكلة ولا نطقت بكلمة ، أنا عملت حركة تانية خالص.. وتاني يوم الصبح باب شقتي كان هيتكسر من الخبط!
أنا اسمي "رشا"، واللي حصل في الأجازة اللي فاتت خلاني أشوف أهلي بنظرة تانية خالص، صدمة نزلت علينا زي جردل مياه ساقعة. والمصيبة إن الموضوع كله بدأ بنية صافية.
بنتي "ملك"، 17 سنة، هادية ومنطوية، بس بتطلع كل إبداعها في المطبخ، دي طريقتها عشان تقول للناس "أنا بحبكم". ولما قرب عيد ميلاد أمي السبعين، ملك صممت تشيل الليلة كلها لوحدها وتعمل عشا يكفي 23 فرد. حاولت أحوش عنها وأقولها "يا بنتي ده هم وتعب عليكي"، ضحكت وقالتلي: "يا ماما سيبيني، أنا عايزة تيتة تحس إنها ملكة النهاردة".
٣ ايام البنت مخرجتش من المطبخ. صواني مكرونة بشاميل، فراخ مشوية، بفتيك، محاشي، سلطات، وحلويات شرقية وغربية.. المطبخ كان مقلوب، وهي مهدودة بس بتدندن ومبسوطة، كانت عايزة تبيض وشي قدام جدي وجدتي.
العزومة كان ميعادها السبت الساعة 6 المغرب. الساعة 4 وربع، وهي بترص آخر سرافيس الأكل،
"إحنا قررنا نحتفل في مطعم، والحضور للكبار فقط، بلاش دوشة أحفاد".
أنا قريت الرسالة وتنحت. كبار بس؟ بعد ما البنت طالع عينها بقالها 3 أيام عشانكم؟
دخلت عليها وقلبي بيتقطع: "حبيبتي.. الخطة اتغيرت". بصتلي باستغراب: "يعني إيه؟".
وريتها الرسالة. البنت منطقتش ولا كلمة. شفايفها اترعشت ووشها جاب ألوان، وعينيها اتملت دموع بس كانت بتحاول تمسك نفسها. بصت للأكل اللي ملت السفرة ومحدش هياكله بحسرة وقالتلي بصوت واطي: "طب هما ليه عملوا فيا كدة؟".
مكنش عندي رد يطيب خاطرها. خدتها في حضني وقولتلها: "ولا فتفوتة من الأكل ده هتترمي، وتعبك مش هيروح هدر".
وبالفعل، وهما قاعدين في المطعم الغالي ومروقين، أنا دخلت على جروب المنطقة وكتبت بوست: "يا جماعة عندنا وليمة بيتي معمولة بحب، ومجانية لأي حد محتاجها.. أسر، طلبة مغتربين، كبار سن". في ساعة زمن، الناس كانت طوابير قدام الباب. ملك كانت بتغرف وتوزع الأطباق وهي مكسوفة، بس دعوات الناس ليها وهي بتاخد الأكل جبرت بخاطرها وفرحتها أكتر من أي عيد ميلاد.
بس العاصفة الحقيقية حصلت تاني يوم الصبح.
الساعة 9 الصبح، صحينا على رزع وخبط على باب الشقة لدرجة إن الحيطان اتهزت. ملك اترعبت. جريت
لقيت أبويا وأمي في وشي. أمي بتطلع نار من ودانها، وأبويا وشه في الأرض من الكسفة، والاثنين جايين يحاسبوني..
وهنا بقى حصل اللي ماكانش ع البال ولا ع الخاطر...ووو
…فتحت الباب وأنا ثابتة مكاني، رغم إن قلبي كان بيدق بعنف.
أمي دخلت من غير سلام، صوتها عالي ومليان غضب:
"إنتي عملتي إيه يا رشا؟! فضحتينا قدام الناس! عاملين عزومة وبدل ما تجيبيها لينا، توزعيها في الشارع؟!"
بصيت لها بهدوء، وقلت:
"في الشارع؟! لا يا ماما… أنا دخلت ناس لبيتي، ناس دعت لبنتي من قلبها… ناس قدرت تعبها."
أبويا ساعتها رفع عينه ليا لأول مرة، وقال بصوت واطي:
"طب كنتي كلمتينا… مش كده برضه."
ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع:
"أكلمكم إيه؟ بعد ما تبعتلي رسالة قبلها بساعتين تقولوا (الكبار بس)؟! طب وملك؟ تعبها ده كان إيه؟ هزار؟"
ملك كانت واقفة ورايا، ساكتة، بس عينيها بتتكلم.
أمي ردت بعصبية:
"يا بنتي دي خروجة كبار… وإحنا أحرار!"
بصيت لها وقلت بهدوء أشد:
"وأنا كمان حرة… حرة إني ما أكسرش بخاطر بنتي… حرة إني ما أرميش أكل معمول بحب… حرة إني أربي بنتي إن كرامتها أهم من أي عزومة."
سكتوا لحظة… الجو تقيل.
وفجأة، حصل اللي ماكنتش متوقعاه…
ملك اتحركت من ورايا، وقربت خطوة،
"أنا بس كنت عايزة تيتة تفرح…"
الكلمة دي وقعت زي القنبلة.
أمي وشها اتغير فجأة… العصبية راحت، وحل محلها حاجة تانية… ندم.
قعدت على الكرسي وكأن رجليها مش شايلاها، وقالت بصوت مكسور:
"أنا… ماكنتش أعرف إنها تعبت كده…"
أنا رديت بهدوء:
"لأنكم ما سألتوش."
أبويا ساعتها تنهد، وقال:
"الحق علينا… كنا فاكرينها حاجة بسيطة…"
ملك مسحت دموعها بسرعة، وكأنها مش عايزة حد يشوف ضعفها.
أمي قامت ببطء، وقربت منها… ومدت إيدها تمسك إيد ملك، وقالت:
"سامحيني يا حبيبتي… إحنا غلطنا."
ملك بصتلي الأول… كأنها بتستأذن…
هزيت راسي بمعنى: القرار قرارك.
بصت لجدتها وقالت بهدوء:
"خلاص… بس متعملوش كده تاني."
أمي حضنتها… حضن طويل… يمكن أول حضن بجد من زمان.
وأبويا قال وهو بيبص للأكل اللي فاض:
"هو… في حاجة فاضلة؟"
ابتسمت لأول مرة من امبارح وقلت:
"في… بس المرة دي مش هتاكلوا ببلاش…"
بصوا لي باستغراب.
قلت:
"هتقعدوا مع ملك… وتسمعوا منها كل طبق اتعمل إزاي… ومن إيدينها هي اللي هتقدمه."
ملك ابتسمت ابتسامة صغيرة… أول ابتسامة حقيقية.
وقعدوا فعلًا…
ويمكن كانت أول مرة العيلة تقعد مش عشان تاكل…
لكن عشان تفهم.
ومن يومها…
بقيت عارفة إن أوقات كتير، أهدى
مش الصوت العالي…
لكن إنك ترد الكرامة لأصحابها.