خرجت من السجن

لمحة نيوز

خرجت من السجن ومعاها كيس بلاستيك فيه كل حيلتها.. 20 سنة ضاعوا من عمرها عشان خاطر أختها الصغيرة عبلة الشاذلي رجعت لبيتها وهي عندها 72 سنة، عشان تكتشف إن نهى مش بس سرقت ورثها، دي سرقت حياتها واسمها وذكرياتها كمان!
عبلة خرجت من سجن القناطر في 14 مارس 2026، يوم جمعة غيم وبرد. كانت شايلة كيس فيه 47 جنيه، وصورة باهتة، وسلسلة بقرآن ذهب لابساها من وهي عندها 16 سنة. دخلت السجن وهي عندها 52 سنة، كانت لسه بصحتها، وشعرها فيه لون، وبتقدر تشيل شيلة البيت لوحدها.. خرجت وهي عندها 72 سنة، شعرها شاب، وإيدها بتترعش، وركبها مابتشيلهاش من الروماتيزم.
20 سنة السجن أكل من جسمها وصحتها، والأصعب إنه خد منها عشرة عمرها. جوزها رفعت مات في 2011 بأزمة قلبية، ومحدش رضي يخرجها تحضر الجنازة ولا تودعه.. كانت نهى أختها هي اللي واعدة قدام جثة أمهم إنها تحمي عبلة وبيتها وترعى جوزها.. بس الوعد ده مطلعش غير كلام في الهوا.
عبلة كانت مدرسة لغة عربية في مدرسة ثانوي في الباجور، الكل كان بيحلف بأدبها وعلمها. هي ورفعت اشتروا بيت جدتها، بيت قديم بحديقة كبيرة، رفعت كان نجار فنان، بيصنع أثاث يدوي الناس كانت بتجيله من كل المحافظات عشان تشتريه. مكنش عندهم عيال، بس كان عندهم بعض، وعندهم البيت اللي ريحته كلها ذكريات.
وكان عند عبلة نهى.. أختها الصغيرة، الدلوعة، اللي كانت بتعرف تلف وتدور وتخلي اللي قدامها يصدق أي حاجة. أمهم كانت تقول نهى دي تقدر تقنع الطير ينزل من على الشجر.. وعبلة الغلبانة مكنتش شايفاها كدة، كانت

شايفاها الطفلة اللي شالتها على إيدها، والست اللي كانت بتعيط في حضنها لما جوزها الأولاني طلقها.
يوم المصيبة، نهى وقعت عبلة في قضية شيكات ونصب كانت هي اللي عاملاها، وأقنعتها إنها لو شالت الليلة هتاخد حكم مخفف ونهى هتصرف على المحامين وتطلعها.. بس بمجرد ما باب الزنزانة اتقفل، نهى مابقتش ترد، ومسحت عبلة من حياتها.
عبلة وصلت قدام بيتها في الباجور وهي بتنهج، كانت فاكرة إنها هتلاقي ذكريات رفعت وريحة الخشب.. بس لقت يافطة كبيرة مكتوب عليها فيلا نهى الشاذلي، ولقت العربية اللي رفعت شقي فيها مركونة قدام الباب، وواحدة غريبة خارجة من البيت لابسة لبس عبلة القديم!
تفتكروا عبلة الشاذلي هتقدر تاخد حقها وهي في السن ده ومعاهاش مليم، ولا نهى الحية هتطلّعها مجنونة قدام أهل البلد وتطردها
عبلة وقفت قدام البوابة الحديد، عينيها بتجري على كل تفصيلة الشجر اللي كانت بتسقيه بإيديها بقى مقصوص ومتظبط زيادة عن اللزوم، كأنه مش بيتها. ريحة الخشب اللي كانت بتملا المكان اختفت.
مدّت إيدها المرتعشة وخبطت على الباب.
ثواني وفتح الباب راجل غريب، في الأربعينات، بص لها من فوق لتحت وقال ببرود نعم يا حاجة؟
بلعت ريقها وقالت بصوت مبحوح ده ده بيتي.
الراجل ضحك ضحكة قصيرة بيتك؟! إنتي شكلك تايهة يا حاجة دي فيلا الست نهى الشاذلي.
قبل ما ترد، صوت ست جه من جوه مين يا كريم؟
وظهرت نهى.
واقفة بكامل أناقتها، لابسة دهب، وشعرها مصبوغ، ووشها مليان ثقة أول ما عينيها وقعت على عبلة، لحظة واحدة بس واتبدلت بسرعة.
رفعت حاجبها وقالت
بتمثيل متقن أيوه؟ في حاجة؟
عبلة حسّت إن قلبها اتخبط في صدرها. نهى أنا أنا عبلة.
ثانية صمت وبعدها نهى ضحكت!
عبلة؟! لا حول ولا قوة إلا بالله الست دي شكلها تعبانة يا كريم.
قربت خطوة وقالت بصوت واطي لكن حاد امشي من هنا بدل ما أبلغ عنك.
عبلة اتسمرت إنتي مش عارفاني؟! أنا
اللي ربيتك أنا اللي دخلت السجن عشانك!
الراجل كريم بدأ يتضايق لو سمحتي يا حاجة امشي بدل ما ننادي البوليس.
عبلة صرخت، لأول مرة أنا مراته! مراته يا ناس! البيت ده بيتي! رفعت جوزي!
ناس من الشارع بدأت تتلم.
نهى اتغير وشها فجأة ومثّلت الدور ببراعة يا جماعة الست دي نصابة أنا متبهدلة بقالها فترة بتقول إنها أختي وعايزة تاخد بيتي!
واحدة من الجيران قالت أيوه فعلاً الست نهى عمرها ما كان عندها أخت!
الكلمة نزلت على عبلة زي السكينة.
عمرها ما كان عندها أخت
نهى كملت أنا يتيمة من زمان والست دي شكلها مريضة.
عبلة رجليها ما بقتش شايلها وقعت على الأرض قدام بيتها.
لكن وهي واقعة لمحت حاجة.
صورة.
معلقة جوه الصالة ظهرت من الباب المفتوح.
صورة ليها هي ورفعت يوم ما كانوا بيبنوا البيت.
بصت لها بعين مليانة دموع وابتسمت لأول مرة.
همست لسه موجودة
تاني يوم
عبلة ما مشيتش.
نامت قدام البيت على الرصيف.
الناس بدأت تتكلم الست المجنونة اللي بتقول ده بيتها.
لكن واحد بس ما اقتنعش.
عم سيد بواب المدرسة القديمة اللي كانت عبلة بتدرّس فيها.
كان معدّي شافها وقف فجأة.
قرب منها وبص كويس وبعدين عينه وسعت ست عبلة؟!
رفعت عينيها بتعب عم سيد؟
قعد جنبها وهو
مصدوم يا نهار أبيض إنتي خرجتي؟!
بدأت تحكي وهو ساكت وكل كلمة بتتقال، وشه بيتقلب.
لحد ما قال جملة واحدة لا كدة كتير.
بعد يومين
عم سيد رجع ومعاه راجل شيك لابس بدلة.
دي أستاذة عبلة الشاذلي.
الراجل مد إيده أنا محامي.
نهى لما شافته اتوترت لأول مرة.
المحامي قال بهدوء معايا مستندات تثبت إن البيت ده كان مسجل باسم الأستاذة عبلة وجوزها قبل ما يتم التنازل.
نهى ابتسمت بثقة وأهو تم التنازل بإمضاها.
المحامي رد آه بس الإمضا دي اتعملت وهي تحت ضغط وفي قضية نصب ممكن نعيد فتحها.
سكت لحظة وبعدين طلع ورقة تانية وكمان عندنا بلاغ جديد بانتحال شخصية واستيلاء على ممتلكات.
الهدوء اختفى من وش نهى.
القضية خدت شهور
البلد كلها بقت تتكلم.
الشهود بدأوا يظهروا ناس شافت نهى وهي بتبيع عفش رفعت واحد قال إنه اتفق معاها على تزوير ورق
والأهم
الصورة.
الصورة اللي في الصالة اللي حاولت نهى تخبيها بعد كدة لكن كانت اتصورت.
وفيها عبلة وهي واقفة قدام البيت قبل السجن بسنين.
يوم الحكم
عبلة كانت قاعدة على الكرسي إيدها بتترعش بس عينيها ثابتة.
القاضي قال كلمته
بطلان جميع عقود التنازل إعادة الملكية إلى عبلة الشاذلي حبس المتهمة نهى الشاذلي
نهى صرخت كدب! دي مش أختي!
عبلة بصتلها لأول مرة من غير وجع وقالت بهدوء
فعلاً إنتي عمرك ما كنتي أختي.
بعد شهور
عبلة رجعت بيتها.
مش زي زمان جزء كبير منه اتغير حاجات كتير اتباعت ورفعت مش موجود.
بس
زرعت شجرة جديدة في الجنينة.
وقفت قدامها وقالت هنبدأ من الأول يا رفعت حتى لو متأخر.
عم سيد
كان واقف بعيد بيبتسم.
والناس في البلد بطلت تقول المجنونة
وبدأت تقول
دي صاحبة الحق.

تم نسخ الرابط