أنا رحت
أنا رحت أصلح موبايل أختي، فلقيت الفني بيبصلي برعب وقاللي: "إلغي كروتك البنكية وغيري كوالين بيتك الليلة دي." سألته باستغراب: "ليه؟ في إيه؟" راح لافف الشاشة ناحيتي وقال: "لازم تشوفي ده بنفسك."
عمري ما كنت أتخيل إن حياتي هتتشقلب ١٨٠ درجة في اليوم اللي قررت فيه أصلح موبايل أختي.
كنت واخدة إجازة من خدمتي في "فورت براج" وكان قدامي بعد الظهر فاضي قبل ما أرجع الشغل. أختي الصغيرة "ليزا" كانت وقعت موبايلها في الحوض من أسبوع وفضلت تستخدمه عادي ولا كأن في حاجة حصلت. دي ليزا اللي عارفاها.. ممكن تطنش شاشة مكسورة، وصل كهرباء متأخر، أو حتى حنفية بتنقط، طول ما الموضوع مش هيعطل حركتها. قلت أعمل فيها جميلة وأصلحهولها.
محل التصليح كان جنب القاعدة العسكرية، محل ضيق بين مغسلة ومحل قهوة. صاحبه "ماركو" كان عسكري سابق في المارينز، صلحلي لابتوبين قبل كدة وبثق فيه. لما اديته موبايل ليزا سألني على الباسورد، فاديتهوله من غير تفكير.
ساعة بالظبط ورجعت ومعايا قهوة، لقيت باب المحل مقفول من جوه.
ماركو فتح الباب موارِب بس عشان يدخلني، وبعدها قلب اليافطة لـ "مغلق". وشّه كان متغير، باهت ومشدود.
قاللي بلهجة تخوف: "لازم تلغي كروت البنك وتغيري كوالين بيتك الليلة دي."
ضحكت باستخفاف وقلتله: "نعم؟ بتقول إيه؟"
رد بمنتهى الجدية: "أنا بتكلم بجد يا جين."
لف الموبايل ناحيتي. في الأول افتكرت إنها مسودات رسايل عادية أو "سبام". بس قريت أول رسالة كانت متجدولة (Scheduled) عشان تتبعت بعد ٣ شهور: "أوراق
الرسالة اللي بعدها كانت أصعب: "التحويل هيتم أول ما يتأكد إنها مفقودة."
ريقي نشف.
ماركو فضل يقلب في الموبايل.. كان في "سكرين شوتس" لأوراق عهدة، أرقام حسابات، وفايل متسمي باسمي أنا! وصورة لتوكيل رسمي، ونوت مكتوب فيها "فقدان الأهلية". ومسودة تانية مكتوب فيها: "تم. هي غارت خلاص. كل حاجة نضفت. نقدر نتحرك دلوقتي."
ماركو قال بصوت واطي: "كل ده طالع من موبايلها. نفس الحساب، نفس الجهاز. رسايل متجدولة وفايلات متنظمة.. ده مش صدفة."
فضلت باصة للشاشة لحد ما الكلام زغلل في عيني. أنا وليزا اتخانقنا قبل كدة كتير بسبب الفلوس، وبسبب أمنا، ومين فينا شايل حمل البيت أكتر.. بس ده مش زعل، ده تخطيط!
سألته: "تقدر تاخد نسخة من كل ده؟"
رد: "عملت كدة فعلاً."
خرجت من المحل والموبايل المتصلح في إيد، ونبض قلبي بيخبط في وداني. في الركنة كلمت ليزا، سابت الموبايل يرن للأخر. لما ردت بالليل، صوتها كان ناعم وهادي بزيادة.. شكرتني إني ساعدتها وقالتلي "متتعبيش نفسك وتجيبي الموبايل دلوقتي"، وقفلت السكة قبل ما أسألها سؤال واحد بجد.
الليلة دي قعدت على ترابيزة المطبخ وبدأت أعمل "قائمة تهديدات" زي ما بعمل في أي قضية في شغلي. الدوافع.. الوصول للمعلومات.. التوقيت.. تغيير المستفيدين من التأمين.. التلاعب بأمي.. وتأمين الجيش بتاعي.
على نص الليل، لقيت اسم "سلوان ميرسر" في إيميلات ليزا، ووصلت لخيط بيربطه بشركة استشارات مالية كان عليها
على الفجر، كنت غيرت كوالين البيت.
وفجأة، موبايلي نور برسالة من رقم مجهول:
"خليكي بره الموضوع ده. إنتي مش عارفة إنتي بتلعبي مع مين."
بصيت للرسالة وجسمي كله سقع، وفهمت حاجة واحدة بمنتهى الوضوح:
اللي بيخطط لده.. عرف إني شوفت الموبايل.
بصيت للرسالة تاني… وبعدين قفلت الموبايل بإيدي الاتنين كأني بخنق الصوت اللي جواه.
أنا مش من النوع اللي بيتخض بسهولة… شغلي علّمني إن الخوف الطبيعي، لكن اللي يفرق هو رد الفعل.
وقتها خدت قرار واحد بس:
مش ههرب… أنا هكمّل.
قمت على طول، فتحت اللاب توب، ووصلت الفلاشة اللي ادانيها "ماركو".
الملفات كانت مترتبة بطريقة مرعبة… تواريخ، أسماء، أرقام حسابات، ومجلد كامل باسمي.
باسمي أنا.
فتحت أول ملف…
كان نسخة من بطاقتي… بس مش النسخة اللي أنا أعرفها.
الصورة هي صورتي، لكن الإمضاء… مش إمضائي.
قلبي وقع.
الملف اللي بعده كان أسوأ…
توكيل رسمي بيدي صلاحيات كاملة لحد اسمه "سلوان ميرسر" إنه يتصرف في كل حاجة تخصني… فلوسي، ممتلكاتي… حتى قرارات طبية.
همست لنفسي:
"إزاي…؟!"
رد السؤال جالي بسرعة…
ليزا.
هي الوحيدة اللي عندها أوراقي، وهي الوحيدة اللي تقدر تقربلي بالشكل ده.
الساعة كانت داخلة على ٣ الفجر لما سمعت صوت خبط خفيف على باب الشقة.
اتجمدت مكاني.
الخبط اتكرر… أهدى… كأنه حد مش عايز يلفت نظر الجيران.
قربت من الباب بالراحة… من غير ما أشغل
ولا حد.
لكن أول ما رجعت خطوة لورا…
سمعت صوت رسالة على موبايلي.
فتحته… نفس الرقم المجهول:
"آخر تحذير."
في نفس اللحظة…
نور الممر بره الشقة انطفى.
رجعت ورا بسرعة، قفلت كل الأنوار، وسحبت درج السكينة من المطبخ… إيدي كانت ثابتة بشكل غريب.
دماغي شغالة بسرعة:
اللي بره يا إما بيراقب… يا إما كان هنا ويمشي.
لكن في حاجة واحدة مؤكدة:
أنا بقيت هدف.
قعدت على الأرض ورا الكنبة، وبدأت أربط الخيوط:
رسايل متجدولة عن "اختفائي"
توكيلات مزورة
تحويلات مالية
تهديد مباشر لما اكتشفت
ده مش نصب عادي…
ده سيناريو كامل عشان أموت… أو أختفي رسميًا.
وفجأة… كل حاجة وضحت.
ليزا مش لوحدها.
هي مجرد جزء…
و"سلوان ميرسر" ده هو العقل المدبر.
بس السؤال الحقيقي كان:
ليه أنا؟
جاوبت نفسي وأنا ببص على ملف التأمين العسكري اللي فتحته من شوية…
رقم المبلغ كان ضخم… ضخم لدرجة يخلي أي حد يبيع أقرب الناس ليه.
ابتسمت بسخرية رغم الرعب:
"حلو يا ليزا… لعبتي كبيرة."
قمت وقفت… وبدأت أجهز شنطة صغيرة:
الفلاشة
اللاب
أوراقي الأصلية
سلاحي المرخص
لبست جاكيت تقيل… وبصيت في المراية.
أنا مش الضحية في القصة دي.
أنا اللي هقلب الطاولة.
قبل ما أخرج… جالي اتصال.
الاسم على الشاشة:
ليزا.
وقفت لحظة… وبعدين رديت.
صوتها كان هادي جدًا… زيادة عن اللزوم:
"إنتي فين؟ أنا قلقانة عليكي."
ضحكت بهدوء وقلت:
"أنا؟ كويسة… بس انتي قوليلي،
هو أنا… المفروض أكون فين دلوقتي؟"
سكتت.
ثانيتين… تلاتة…
وبعدين سمعت نفس صوتها…
"المفروض تكوني جوه."
اتسمرت مكاني…
لأن الباب… بدأ يتفتح بالمفتاح.