كنت بدي أمي
كنت بدي لأمي كل شهر مبلغ محترم عشان تهتم بمراتي بعد الولادة…
لكن رجعت من شغلي بدري بشكل مفاجئ… وشفتها قاعدة لوحدها بتاكل طبق رز بايت مخلوط برؤوس سمك وعضم… واللي اكتشفته بعد كده كان أصعب بكتير.
في اليوم ده، الكهربا قطعت فجأة في الشغل، والمدير قال نروح بدري حوالي الساعة 11 الصبح.
قلت دي فرصة حلوة أعمل مفاجأة لمراتي.
وأنا راجع على البيت، عديت على سوق كبير قريب مننا… واشتريت علبة لبن مستورد الدكتور كان كاتبها ليها عشان تساعدها تقوم بعد الولادة.
كنت متخيل شكل فرحتها…
كنت متخيل إنها هتبتسم… ويمكن حتى تعيط من الفرحة.
بس أول ما وصلت البيت…
لاحظت إن باب الشقة موارب شوية.
دخلت بهدوء…
الهدوء كان غريب… مش طبيعي.
قلت يمكن الطفل نام أخيرًا… وأمي نازلة عند الجيران زي عادتها.
حطيت علبة اللبن على الترابيزة… وقلت أدخل المطبخ أسخّن لها حاجة تاكلها.
بس أول ما وصلت عند باب المطبخ…
اتجمدت مكاني.
مراتي "هنا" كانت قاعدة على الترابيزة… منحنية كده… وبتاكل بسرعة غريبة… كأنها حد جاي ياخد منها الأكل.
قدامها طبق كبير…
وهي بتاكل بنهم… من غير ما تمضغ كويس… وكأنها مش شايفة حاجة غير اللقمة.
الدموع كانت نازلة على خدها…
وكل شوية تمسحها بسرعة… وتبص على باب الشقة… كأنها خايفة
وقفت متلخبط.
هي ليه بتستخبى كده؟
بتاكل إيه أصلاً؟
دخلت عليها بسرعة وقلت بنبرة حادة:
"إنتي بتعملي إيه؟ بتاكلي في السر ليه؟ في حاجة مخبياها عني؟"
اتخضت جامد… لدرجة إن المعلقة وقعت من إيدها على الأرض.
بصت لي… ووشها شاحب جدًا…
كأنها اتقفشت في حاجة كبيرة.
حاولت تغطي الطبق بإيدها وهي بتتلجلج:
"إ… إنت جيت بدري ليه؟ أنا… كنت باكل بس…"
ما رديتش.
قربت منها… وشدت الطبق من قدامها.
وأول ما بصيت جواه…
قلبي وقع.
مش أكل يتاكل.
رز بايت… ومخلوط برؤوس سمك ناشفة… وعظم صغير حاد…
أكل مايتقدّمش حتى لقطط الشارع.
وقفت مصدوم…
حاسس ببرودة غريبة في جسمي.
أنا بدي لأمي كل شهر مبلغ كبير… عشان تاكل مراتي أحسن أكل… وتخليها ترتاح بعد الولادة…
يبقى إيه اللي بيحصل ده؟
بصيت لهنا وقلت:
"ده إيه؟ إنتي بتاكلي كده ليه؟"
سكتت… وعينيها اتمليت دموع.
قالت بصوت مكسور:
"معلش… كنت جعانة بس…"
جعانة؟!
صرخت فيها وووو...
كلمة "جعانة" اللي قالتها… ما كانتش عادية.
كانت طالعة من وجع… من كسر… من حاجة أكبر بكتير من مجرد أكل.
بصّيت لها وأنا مش مستوعب، وقلت بنبرة فيها غضب وخوف:
"يعني إيه جعانة؟! هو مفيش أكل في البيت؟! أمي فين؟!"
سكتت لحظة… وبعدين بصت لي نظرة أنا عمري ما هنساها… نظرة حد
قالت بهدوء مرعب:
"أمك بتقفل المطبخ بالمفتاح…"
الكلمة وقعت عليّ زي الصاعقة.
"إيه؟!"
كملت وهي بتمسح دموعها بسرعة كأنها خايفة أزعق فيها:
"بتسيبلي شوية أكل صغيرين الصبح… لو خلصوا… مفيش غير ده…"
وشاورت على الطبق اللي في إيدي.
"بتقولي أنا لازم أخف… وإن الستات بتستحمل… وإن الدلع ده مش في بيتها…"
إيدي كانت بتترعش.
"والفلوس؟! أنا بديها فلوس كل شهر!"
ضحكت ضحكة مكسورة… وجعت قلبي:
"بتقوللي الفلوس دي مصاريف البيت… وإنك لو عايز تدلع مراتك خُدها وامشي…"
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
بصّيت حواليّا… الشقة اللي كنت فاكرها أمان… طلعت سجن.
والست اللي كنت فاكرها بتخدم مراتي… كانت بتعذبها.
قربت منها أكتر… ولاحظت حاجة خلت دمي يغلي أكتر:
إيديها… كانت مليانة خدوش صغيرة.
وشفايفها ناشفة… ووشها أصفر بطريقة تخوّف.
قلت بصوت منخفض بس مليان غضب:
"إنتي بقالك قد إيه كده؟"
ردت وهي مش قادرة تبصلي:
"من يوم ما رجعنا من المستشفى…"
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.
أنا كنت كل يوم بنزل شغلي مطمّن… فاكر إن مراتي في أمان…
وهي كانت هنا… بتتجوع… وبتتذل… وبتستخبى تاكل زي الحرامية.
في اللحظة دي… باب الشقة اتفتح.
صوت أمي:
"رجعت بدري ليه يا ابني؟—"
سكتت فجأة… لما شافتنا.
عينها جت على الطبق…
وفي ثانية… فهمت.
بس بدل ما تتوتر… ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
"آه… شكلها ما استحملتش النظام…"
قربت منها خطوة… وأنا حاسس إن أعصابي هتفرقع:
"نظام؟! إنتي بتسمي اللي بتعمليه ده نظام؟!"
قالت بثبات غريب:
"أنا بربيها… مش كل شوية دلع وأكل وشرب… الست لازم تتعلم تتحمل."
صرخت فيها:
"دي كانت لسه والدة! محتاجة أكل وعناية!"
ردت بحدة:
"وأنا ربيت عيال في ظروف أصعب! ما حدش مات!"
سكت لحظة… وبعدين قلت بهدوء مخيف:
"بس كرامتها ماتت."
أمي اتفاجئت من نبرة صوتي.
كملت وأنا باخد نفس عميق:
"من النهاردة… مفيش جنيه هيدخل البيت ده عن طريقك.
ومراتي… هتاكل وتشرب وتتعالج زي ما لازم… غصب عن أي حد."
قالت بعصبية:
"يعني إيه؟! هتوقفني على رجل واحدة عشانها؟!"
بصّيت لها بثبات:
"أنا مش بوقفك… أنا بوقف الظلم."
مسكت إيد هنا بهدوء… كانت بترتعش.
ساعدتها تقوم… وكانت ضعيفة لدرجة إنها ما كانتش قادرة تقف لوحدها.
قلت لها:
"جهزي نفسك… إحنا ماشيين."
أمي صرخت:
"لو خرجت من هنا… ما ترجعلناش!"
وقفت عند الباب… وبصّيت لها آخر نظرة وقلت:
"البيت اللي مفيهوش رحمة… ما يتسمّاش بيت."
وخرجت.
في الشارع… هنا بدأت تعيط بحرقة…
بس المرة دي… مش من الجوع…
من الإحساس إنها أخيرًا…
وأنا؟
كنت ماشي جنبها… شايل ذنب تقيل…
بس وعدت نفسي…
إني عمري ما هسيبها تتكسر تاني… ولا حتى بلقمة عيش.