بعد خمس سنين بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

بعد خمس سنين من الحمى، والشيل والحط، والرعاية ليل نهار.. سمعت جوزي المشلول وهو بيضحك مع راجل تاني وبيقول: "دي خدامة ببلاش.. عبيطة ومفيدة". في اللحظة دي، الست الطيبة المطيعة اختفت، وحل مكانها حاجة تانية خالص.. أهدى، وأبرد، وأقوى بكتير.
خمس سنين ميبانوش كتير، إلا لو عشتهم يوم بيوم. خمس سنين يعني 60 شهر، 1825 يوم بمسح فيهم كياني وشخصيتي بالراحة. ضيعت أحلى سنين العشرين من غير ما احتفل بنجاح، ولا أبني حلم، ولا أشوف العالم.. قضيتهم بتعلم إزاي "أختفي".
خمس سنين بصحى قبل الفجر عشان أسلق الشوربة، وأطحن الدواء، وأتعلم إزاي أشيله بزوايا معينة عشان جسمه اللي مبيتحركش ميتجرحش. خمس سنين جلسات علاج طبيعي، ليالي من غير نوم، وقوائم دواء مبيخلصش، وابتسامات فاضية لراجل كان ممكن يبحلق فيا من غير ما يحس بوجودي.
لما كنت لسه ساذجة وفاكرة إن ده هو "الحب"، كنت بصدق إن التضحية هي الإخلاص.. إن الوجع هو ضريبة العشرة. "في السراء والضراء"، كنت بكررها زي الصلاة كل ما ظهري يوجعني أو ريحة المطهرات تلزق فيا لدرجة إني نسيت ريحة البرفان.
حادثة "ياسر" حصلت في طريق مقطوع. سواق سكران.. حديد اتعجن.. وحياة انقسمت نصين. هو عاش، بس رجليه لأ. وأنا، "مريم"، فضلت جنبه. قلبت بيتنا أوضة مستشفى. اتعلمت أتعامل مع الكراسي المتحركة، والقساطر، وإجراءات الطوارئ. اتعلمت أهدى وهو بيثور، أو ينعزل، أو يقفل على نفسه بالأيام.
لحد ما جه يوم الثلاثاء.. اليوم اللي غير كل حاجة كنت عارفاها عن نفسي.
كنت شايلة

كيس ورق فيه "عيش سخن"، النوع اللي بيحبه. طازة وطالع من الفرن. صحيت قبل الفجر عشان أعدي على المخبز قبل ما أروح له مركز التأهيل، كنت عاوزة أفاجئه بحاجة تفرحه. كنت ماشية في الممرات وأنا عندي أمل بسيط، لحد ما سمعت صوته.
كان في التراس اللي المرضى بيشمسوا فيه. وقفت ورا عمود خرسانة، بس عشان أظبط نفسي قبل ما أدخل عليه.
"دي تقريباً عمالة مجانية"، قالها وهو بيضحك. صوته كان واضح ومبسوط. "مبدفعش لها مليم، مبتشتكيش، ولسه صغيرة كفاية إنها تشيلني طول اليوم".
الراجل اللي معاه ضحك.
كمل، وكل كلمة كانت بتوجع: "بتأكلني، وتنظفني، وتعافر مع التأمين، وتحميني. دي مش زوجة، دي خدمة كاملة وببلاش".
رجلي نشفت مكاني. مسكت كيس العيش بإيدي كأني بتعلق في حاجة.
من ثواني، الكيس ده كان معناه حب.. دلوقتي بقى معناه حاجة تانية خالص.
مدمعتش. الدموع أصلاً منزلتش. بس جوايا حاجة اتغيرت.
مشيت من غير ما أتكلم. مواجهتوش. بس سبت المكان.
بالليل، لما رجع البيت، كنت نايمة.
"كنتي فين؟"، قالها بحدة. "جبتي العيش؟"
بصيت له لأول مرة بوضوح… وشفت الحقيقة.
"نسيت"، قولت بهدوء.
وأنا بعدل له المخدات، قطعت وعد لنفسي:
مش هصرخ.. مش هجادل.. أنا ببساطة هبدأ أرجع لنفسي.
الليلة دي كانت أول ليلة من غير دموع… وأول ليلة بعقل بيشتغل بجد.
مريم القديمة كانت هتعيط، هتواجه، يمكن حتى تسامح.
لكن مريم الجديدة… كانت بترتب.
تاني يوم، صحيت بدري زي العادة… نفس الروتين، نفس الشوربة، نفس الدوا.
بس الفرق الوحيد… إن جواها بقى
هادي.
"صباح الخير"، قالتها بهدوء.
ياسر بص لها باستغراب:
"مالك؟ هادية كده ليه؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"تعبانة شوية بس."
ولأول مرة… مكملتش كلام، ولا حاولت تشرح.
بدأت ترجع لنفسها واحدة واحدة.
رجعت شغلها من البيت، وابتدت تعتمد على نفسها تاني.
بقت تهتم بصحتها وشكلها… لنفسها هي.
قللت كلامها… واهتمامها بقى متوازن.
ياسر بدأ يلاحظ.
"إنتي متغيرة"، قالها في مرة.
ردت بهدوء:
"يمكن بقيت أوضح."
مرت شهور…
ومريم كانت بتبني حياة جديدة بهدوء.
وفي يوم، قررت تاخد خطوة أخيرة.
وقفت قدامه وقالت بهدوء:
"أنا محتاجة أعيش حياة أقدر فيها نفسي."
هو اتفاجئ… وحاول يرد، بس الكلمات خانته.
كملت:
"أنا عملت اللي عليا سنين… ودلوقتي دوري مع نفسي."
وسابت البيت… بهدوء.
من غير خناق… ومن غير كراهية.
بعد فترة…
بقى لوحده، واكتشف قد إيه كان معتمد عليها في كل حاجة.
أما مريم…
كانت واقفة في شرفة شقتها… ماسكة فنجان قهوة.
الشمس على وشها… وهدوء جواها.
مش لأنها انتقمت…
لكن لأنها أخيرًا… اختارت نفسها.بس الحقيقة… دي ما كانتش النهاية.
كانت البداية.
بعد ما مريم خرجت من البيت، أول ليلة قضتها لوحدها كانت غريبة.
الهدوء كان تقيل… مفيش صوت جهاز، ولا نداء، ولا حد محتاج حاجة.
قعدت على الكنبة، وبصت حواليها… شقة صغيرة، بسيطة، بس لأول مرة حست إنها "بتاعتها".
جالها إحساس غريب… مش حزن، ومش فرح.
إحساس إنها لسه بتتعلم تعيش.
في الأيام الأولى… كانت بتصحى مفزوعة.
متعودة إن يومها يبدأ بنداء أو طلب.
لكن المرة دي… مفيش
حد.
كانت بتقعد دقيقة كده… تاخد نفس… وتفتكر:
"أنا حرة."
شغلها بدأ يكبر.
التصميمات البسيطة بقت شغل منتظم، وابتدى يجيلها عملاء أكتر.
واحدة واحدة… دخلها بقى ثابت.
وفي يوم، وهي بتبص على حسابها البنكي… ابتسمت.
مش عشان الرقم كبير…
بس عشان ده أول فلوس تحس إنها "بتاعتها بجد".
بعد حوالي 3 شهور…
تليفونها رن.
رقم غريب.
ردت.
"ألو؟"
سكت لحظة… وبعدين الصوت جه متردد:
"مريم… أنا ياسر."
سكتت.
القلب مدقش… ولا إيديها اتهزت.
ردت بهدوء:
"خير؟"
صوته كان مختلف… مفيهوش ثقة زمان.
"أنا… محتاج أتكلم معاكي."
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
"اتفضل."
قال بصوت مكسور:
"أنا غلطت… ويمكن أول مرة أفهم أنا خسرت إيه."
مريم ما ردتش.
كمل:
"البيت فاضي… ومفيش حد قادر يعمل اللي كنتي بتعمليه… وأنا…"
سكت، وكأنه بيدور على كلمة.
"...وحشتيني."
مريم قفلت عينيها لحظة.
مش عشان تتأثر…
بس عشان تتأكد إنها بقت قوية كفاية تسمع ده من غير ما ترجع.
فتحت عينيها، وقالت بهدوء واضح:
"أنا مش وحشتك…
إنت بس وحشك الإحساس إن في حد شايلك."
سكت.
ما عرفش يرد.
كملت:
"أنا عملت اللي عليا سنين… وزيادة.
بس اللي اتكسر جوايا… مش بيرجع."
هو قال بسرعة:
"طب نجرب تاني… نبدأ من الأول؟"
مريم ابتسمت… ابتسامة هادية، فيها نضج:
"أنا بدأت فعلاً… بس من غيرك."
وسكتت لحظة… وبعدين قالت آخر جملة:
"خلي بالك من نفسك يا ياسر."
وقفلت المكالمة.
حطت الموبايل جنبها… وبصت قدامها.
المرة دي… قلبها دق.
بس مش خوف…
ولا ضعف…
ده كان إحساس جديد…
إحساس إنها اختارت
صح.
قامت، فتحت الشباك، والهواء دخل يملأ المكان.
ابتسمت لنفسها وقالت بهدوء:
"أنا خلاص… بقيت كويسة."
النهاية الحقيقية.

تم نسخ الرابط