ابويا بقلم منال علي

لمحة نيوز

كنت ماشية راجعة البيت في الحر اللي يخنق، الشمس ضاربة في دماغي، وهدومي لازقة في جسمي من العرق. أول ما فتحت باب الشقة… ريحة اللحمة المشوية ضربت في مناخيري، ريحة تخلي أي حد جعان يجن.
بطني اتقبضت… مش من الجوع بس… من إحساس قديم عارفاه كويس.
دخلت الصالة… لقيت أختي "سارة" قاعدة قدام سفرة مليانة أكل، قدامها طبق فيه قطعة لحمة كبيرة، بتقطع فيها براحتها، والعصارة مالية الطبق.
ولا حتى رفعت عينيها تبصلي.
دخلت المطبخ… وأنا بدوّر على أي حاجة.
لقيت طبقي… شريحة عيش ناشفة، وعليها نقطة مايونيز كأنها صدقة.
وقفت شوية… وبعدين قلت بصوت واطي: "فين باقي الأكل؟"
الصمت كان تقيل.
أبويا كان واقف عند الحوض… لف عليّ ببطء، ونظرة عينه خلتني أندم إني اتكلمت.
"إنتي بتسأليني أنا؟"
بلعت ريقي… بس المرة دي ما سكتش.
"هو مش عدل… ليه سارة تاكل لحمة وأنا آخد… ده؟"
سارة ضحكت من الصالة: "عشان أنا مش شبهك."
أمي شربت العصير… ولا كأن في حاجة.
أبويا قرب… صوته واطي بس قاسي: "اللي ملوش قيمة… ياخد على قد قيمته."
الكلمة نزلت عليّ أقسى من أي ضربة.
وقفت مكاني… مش قادرة أرد… ولا حتى أعيط.
بصيت لطبقي… وبعدين ليهم… وحسيت إني فعلًا ولا حاجة.
سيبت الأكل… ولفيت.
ولا حد وقفني.
ولا حد قال: استني.
طلعت على السلم… وكل خطوة كنت بحسها بتفصلني عنهم أكتر.


أول مرة… ما أرجعش.
عدّت ساعات… وبعدين أيام.
ولا اتصال. ولا سؤال.
كأني ماكنتش موجودة أصلًا.
كنت قاعدة في أوضة صغيرة فوق سطح عند ست كبيرة اسمها "الحاجة أمينة".
أول ما شافتني… قالت: "تعالي يا بنتي… إنتي شكلك موجوعة أوي."
مكنتش عارفة أقولها إيه… أقولها إني موجوعة من جوا؟
هي فهمت من غير كلام.
أكلتني… غطتني… وقعدت جنبي.
وأول مرة… حد يعاملني كإنسانة.
عدّى شهر…
ابتديت أقف على رجلي.
اشتغلت أي حاجة… تنظيف، مساعدة في محل، لف ورق، أي حاجة بالحلال.
كل يوم كنت بتعب… بس لأول مرة تعبي ليه معنى.
وكل يوم كنت بقول لنفسي: "أنا مش قليلة… أنا بس كنت في مكان غلط."
وفي يوم…
كنت واقفة في المحل، لقيت عربية وقفت قدام الباب.
نزلت منها أمي.
وقفت قدامي… شكلها اتغير… أهدى… مكسور.
قالت: "تعالي نروّح يا ليلى…"
بصتلها… وسكت.
كملت: "أبوكي تعب… وسارة سابت البيت."
ضحكت ضحكة خفيفة: "وأنا مالي؟"
دموعها نزلت: "غلطنا يا بنتي…"
قربت خطوة… وبصيت في عينيها: "لما كنت محتاجة كلمة… كنتي فين؟"
سكتت.
"لما اتقال إني ماليش قيمة… إنتي وافقتي."
لفيت ضهري: "أنا اتولدت عندكم… بس عمري ما كنت بنتكم."
ومشيت.
من اليوم ده…
ليلى القديمة اختفت.
واتولدت واحدة تانية.
واحدة مبتستناش حد يدّيها قيمة. واحدة بتخلق قيمتها بنفسها.
بعد سنة…
فتحت محل أكل صغير.

وكل يوم… أعمل وجبة زيادة…
وأكتب عليها: "للي مالوش حد… الأكل ببلاش."
وفي يوم…
دخل راجل كبير… باين عليه التعب.
بصيت له… واتجمدت.
كان أبويا.
بس شكله اتغير… بقى أضعف… أهدى… وكأن الحياة علمته اللي عمره ما فهمه.
بصلي وقال: "ممكن… آكل؟"
بصيت له شوية…
وحطيت قدامه طبق.
عيش… ومايونيز.
زي زمان.
بصلي… وسكت.
وقتها قلت بهدوء: "العدل… بيتفهم متأخر أوقات."بصلي… وسكت.
إيده كانت بترتعش وهو ماسك طرف الترابيزة… كأنه مستني حكم عليه.
وقتها قلت بهدوء: "العدل… بيتفهم متأخر أوقات."
فضل باصص في الطبق قدامه… ما مدّش إيده ياكل.
رفع عينه ليا ببطء… وقال بصوت مكسور عمرى ما سمعته منه قبل كده: "أنا غلطت…"
الكلمة كانت تقيلة… غريبة عليه.
كملت أنا بصوت ثابت: "غلطت؟ دي كلمة صغيرة أوي على اللي حصل."
نزل عينه تاني… ودموعه نزلت: "أنا كنت فاكر إني بربي… فاكر إني بعمل الصح… بس طلعت بكسّر فيكي من غير ما أحس."
سكت شوية… وبعدين قال: "كل يوم من ساعة ما مشيتي… البيت بقى فاضي… مش بس منك… من روحه."
قلبي اتشد… بس ما اتكلمتش.
كمل: "أمك كل يوم تعيط… وسارة لما مشيت قالتلي: إنت السبب… إنت اللي خلتنا نكره نفسنا."
أول مرة أحس إنه شايف… بجد.
بصلي وقال: "أنا مش جاي أطلب منك ترجعي… ولا حتى تسامحيني… أنا بس جاي أقولك… سامحيني لو تقدري."
الصمت
بينا طال…
طويل أوي.
كنت شايفة قدامي راجلين… واحد زمان… قاسي، شايف نفسه دايمًا صح. وواحد دلوقتي… مكسور، تايه، ندمان.
وأنا… واقفة بينهم.
قربت خطوة… وقلبي بيدق.
مدّيت إيدي… ولفّيت الطبق ناحيته شوية: "كُل… الأكل ساقع."
بصلي باستغراب… كأنه مش فاهم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة… أول مرة من غير وجع: "أنا مش هفضل حاطة نفسي في نفس المكان اللي كسّرني… بس برضه مش هفضل شايلة الكسر جوايا طول العمر."
دموعه نزلت أكتر: "يعني… سامحتيني؟"
خدت نفس طويل…
"سامحتك… عشان أنا أستاهل أعيش مرتاحة… مش عشانك إنت."
قعد يعيط… عياط طفل مش راجل.
وأنا وقفت شوية أبص عليه…
الغريب إني ما حسّتش بضعف… حسّيت بقوة.
قوة إني اخترت.
بعدها بكام يوم…
لقيته جاي تاني.
بس المرة دي… ما طلبش أكل ببلاش.
حط فلوس على الترابيزة وقال: "عايز أشتري… زي أي زبون."
هزّيت راسي وابتسمت: "تمام."
ومن يومها…
بقى ييجي كل يوم تقريبًا.
مش عشان الأكل…
عشان يقعد ساكت في الركن… يبصلي من بعيد… وكأنه بيحاول يحفظ ملامحي من جديد.
وأنا؟
ما رجعتش البيت.
بس بقيت كل ما أشوفه… أدي له طبق مليان… مش ناقص.
مش عشان هو يستاهل…
بس عشان أنا بقيت إنسانة تانية.
إنسانة عرفت إن التسامح… مش ضعف.
ده حرية.
وفي يوم…
قبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال: "أنا فخور بيكي… يا ليلى."
اتجمدت لحظة…
الكلمة
دي… عمري ما سمعتها منه.
بس المرة دي…
ما وجعتنيش.
ابتسمت بس… من غير ما أرد.
لأني أخيرًا…
بقيت مش محتاجة أسمعها. ❤️

تم نسخ الرابط