لميت هدومي
لميت هدومي في شنطة سفر واحدة، ووقفت قدام باب الڤيلا اللي اتولدت وكبرت فيها وأنا حاسة إني غريبة.. يتيمة للمرة التانية.
وفجأة، "عم عثمان" الجنايني نده عليا، مد إيده بـ "بالطو" قديم ومقطوع وقالي بصوت واطي:
"خدي ده في سكتك يا بنتي، اتبرعي بيه لأي جمعية"...
لكن لما مشيت وفتحت بطانة البالطو.. ركبي سابت ومقدرتش أصلب طولي من الصدمة....😱 !!!!
أنا "نور"، بعد موت أبويا بـ ٣ شهور بس، لقيت نفسي في الشارع.
أخويا الكبير "طارق" اللي المفروض يكون سندي، استولى على كل حاجة.. الشركة، الأراضي، وحتى الڤيلا. طلع لي ورق وتوكيلات بتثبت إن أبويا باع له كل حاجة في حياته، طبعاً كله تزوير في تزوير، بس الورق كان متقفل صح.
يوم ما طردني، الجو كان مغيم، كأن السما زعلانة على كسرتي.
كنت واقفة في الصالة، وماسكة شنطتي، ودموعي متجمدة في عيني.
مرات أخويا "شيرين" كانت قاعدة على الكرسي الهزاز بتاع أبويا، حاطة رجل على رجل وبتبص لي بقرف وقالت:
* "ها؟ خلصتي لملمة في كراكيبك ولا لسه؟ البيت محتاج يتطهر وتتفتح شبابيكه، كتمة أوي الصراحة!"
بصيت لطارق، أخويا من لحمي ودمي، كان واقف بيدي ضهره ليا وبيشرب سجاير ببرود.
قلت له بصوت مهزوز:
* "هتهون عليك أختك يا طارق؟ هترميني في الشارع والبيت ده بيتي زي ما هو بيتك؟ ده
لف وشه وبص لي بجمود وقال:
* "القانون لا يحمي المغفلين يا نور.. الورق بيقول إنك مالكيش مليم هنا.. خدي الشنطة دي، فيها ١٠ آلاف جنيه امشّي بيهم حالك لحد ما تشوفي لك شغلانة ولا شقة إيجار.. وياريت منشوفش وشك تاني عشان منعملش شوشرة في العيلة."
رميت الفلوس في وشه وقولتله بكسرة:
* "فلوس الحرام بتشعلل نار في كروش أصحابها يا طارق.. أنا ماشية، وسايبالكم ياما تدوقوا."
محاربتش.. مكنش فيا حيل أقف في محاكم قدام أخويا.. كرامتي وذكرياتي مع أبويا كانوا أغلى من إني أتبهدل.
سحبت شنطتي وخرجت الجنينة.. باب الڤيلا الحديد كان مفتوح، و"شيرين" طلعت البلكونة تزعق عشان تسمعني وتسمع الجيران:
* "شدي الباب وراكي كويس، البوابين بقوا بيسيبوا أي شحات يدخل!"
وأنا بقرب من البوابة، سمعت صوت حشرجة ورايا:
* "يا ست نور... يا بنتي!"
وقفت وبصيت.. ده كان "عم عثمان"، الراجل العجوز اللي شغال جنايني في الڤيلا من قبل ما أتولد. راجل غلبان، ملوش صوت، طول عمره موطي راسه في الأرض بيقص الشجر ويسقي الزرع، وعمره ما اتدخل في أي مشكلة. طول التلات شهور اللي فاتوا كان بيشوفني بتذل ومبيتكلمش.. كنت بقول في بالي "خايف على لقمة عيشه، هعتب عليه إيه؟"
قرب مني، وبص حواليه بخوف، وكان ماسك في إيده بالطو صوف
قالي ببطء وهو بيبص في الأرض عشان الكاميرات:
* "يا بنتي.. البالطو ده بتاع المرحوم، لقيته مرمي في المخزن.. خليه معاكي، ابقي ارميه في أي صندوق هدمة للجمعيات الخيرية على أول الطريق.. معلش هتقل عليكي."
استغربت.. بالطو إيه وجمعيات إيه دلوقتي؟ أنا في إيه ولا في إيه؟
بس من كتر ما أنا محطمة مكنش فيا حيل أجادل، أخدته منه وقولتله:
* "حاضر يا عم عثمان.. لا إله إلا الله."
هز راسه والدموع في عينه وقال:
* "محمد رسول الله يا بنتي.. ربنا يجبر بخاطرك."
خرجت والبوابة الحديد اتقفلت ورايا وصوت قفلتها كأنه رصاصة في قلبي.
مشيت في الشارع الطويل، الشنطة تقيلة في إيدي والبالطو على دراعي التاني.
عيطت.. عيطت قهر على أبويا وعلى أخويا اللي باعني..
وصلت عند ناصية الشارع، لقيت صندوق تبرعات الهدوم القديمة.
جيت أرمي البالطو.. بس حسيت بحاجة غريبة!
البالطو تقيل أوي من ناحية واحدة.. كأن فيه طوبة جواه.
مسكته وبدأت أتحسسه، مفيش جيوب.. التقل كله جاي من "البطانة" اللي في الضهر.
الهوا كان بيطير شعري، والشارع فاضي.. قلبي دق بسرعة غريبة.. حطيت الشنطة على الأرض، ومسكت البالطو، ومن غير تفكير قطعت خياطة البطانة بإيدي.
اتسمرت مكاني!!
إيدي اترعشت وعيني وسعت من الصدمة.
البطانة مكنش فيها قطن.. كان متخيط جواها "جراب جلد" مقفول بسوستة.
سحبت الجراب، أيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
كان جواه ٣ حاجات:
١- "فلاشة" صغيرة لونها أسود.
٢- ورق متدبس عليه ختم النسر ومكتوب عليه "إلغاء توكيلات عامة وخاصة".
٣- وجواب بخط إيد أبويا.. مكتوب عليه من برا: "إلى بنتي ونور عيني.. نور."
الراجل العجوز الغلبان اللي مكنش بينطق، سلمني في إيدي "السلاح" اللي هينسف امبراطورية طارق وشيرين من جذورها.. وووو.....!!!
أنا كنت مش قادرة أتنفس، وأنا ببص على اللي طلع من البالطو. فلاشة، ورق إلغاء التوكيلات، وجواب بخط إيد أبويا. كنت مش قادرة أفهم، بس كنت عارفة إن ده مش طبيعي.
فتحت الجواب، وبدأت أقرأ. أبويا كان كاتب لي إن كل اللي حصل ده كان متوقع، وإن هو اللي خططله. كان عارف إن طارق هيحاول يستولى على كل حاجة، فعمل كل ده علشان يحمي لي حقي.
الفلاشة كانت فيها كل الأدلة اللي تثبت إن طارق كان بيخدع أبويا، وإن كل التوكيلات كانت مزورة. والورق اللي معايا ده كان إلغاء لكل التوكيلات اللي أبويا عملها لطارق.
أنا كنت مش قادرة أتنفس، وأنا بفكر في اللي حصل. أبويا كان أعظم من ما تخيلت. كان عارف إن طارق هيخدعه، فعمل كل ده علشان يحمي لي حقي.
بدأت أضحك، وأنا بفكر في وش طارق وشيرين لما يعرفوا اللي