مامت ابنتي
ماتـت ابنـتي ذات الـعشر سـنوات، ليان، في حادث سيارة مروع. كان زوجي محمود يوصلها إلى مركز الرسم الذي تحبه كل أسبوع. هو نجا بصعوبة… أما ليان فقد توفيت في الحال.
في ذلك اليوم، لم أكن قادرة حتى على الوقوف. كنت أشعر وكأن العالم كله انهار فوق صدري.
الأطباء في المستشفى لم يسمحوا لي حتى أن أرى ليان للـمرة الأخيرة… كانوا خائفين أن أنهار تمامًا.
مر أسبوعان كاملان قبل أن يعود محمود إلى البيت بعد خروجه من المستشفى.
كان يمشي بصعوبة، يعرج قليلًا، وجسده كله مغطى بالضمادات.
لكن البيت… كان صامتًا بطريقة مؤلمة.
غرفة ليان ما زالت كما هي.
رسوماتها الملوّنة ما زالت فوق المكتب،
ودُماها الصغيرة مبعثرة على الأرض كما تركتها آخر مرة.
لم أكن أعرف كيف أستمر في العيش.
كان الألم يملأ صدري مع كل
في صباح أحد الأيام، كنت جالسة أمام فنجان قهوة بارد، أحدّق فيه بلا وعي…
وفجأة بدأ كلبنا "برق" يخدش باب الحديقة الخلفية وينبح بعصبية.
كان ينبح بقوة…
ويخربش الباب بمخالبه بلا توقف.
فتحت الباب.
وتجمّدت في مكاني.
كان برق واقفًا على الشرفة، ممسكًا بين أسنانه قطعة قماش صفراء زاهية.
اقتربت منه ببطء.
يا الله…
كان سويتر ليان.
كان يشبه تمامًا السويتر الذي كانت ترتديه يوم الحادث.
شعرت أن ركبتيّ ستخذلانني.
من أين أحضر برق هذا السويتر؟
وضعه عند قدميّ، ثم نبح بصوت عالٍ، ونظر إليّ، ثم أمسكه مرة أخرى وركض.
لكنه لم يبتعد كثيرًا…
كان يتوقف كل بضع خطوات وينظر خلفه ليتأكد أنني أتبعُه.
كان كأنه يريد أن يريني شيئًا.
بدون أن حتى أرتدي معطفًا، ركضت خلفه.
بعد حوالي عشر دقائق من الجري،
وعندما رفعت عيني رأيت ..
…وعندما رفعت عيني رأيت سيارة قديمة مهجورة متوقفة قرب أطراف الطريق الترابي خلف الحقول.
توقّف برق أمامها مباشرة، وأخذ ينبح بقوة غير معتادة.
كان يدور حول السيارة، ثم يعود وينظر إليّ كأنه يقول: انظري هنا… هنا بالضبط.
اقتربت ببطء…
وكان قلبي يخفق بعنف داخل صدري.
السيارة كانت مغطاة بالغبار، وبابها الخلفي نصف مفتوح.
مددت يدي المرتجفة ودفعت الباب أكثر قليلًا.
وفي تلك اللحظة… تجمّد الدم في عروقي.
على المقعد الخلفي…
كانت هناك حقيبة الرسم الخاصة بليان.
نفس الحقيبة الوردية التي كانت تحملها كل أسبوع إلى مركز الرسم.
ارتجفت يداي وأنا أفتحها.
كانت بداخلها دفاترها وألوانها… وكل شيء كما هو.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهي فورًا.
كان هناك دفتر رسم
فتحته ببطء…
والصفحة الأولى كانت رسمة لعائلتنا.
أنا…
ليان…
ومحمود…
لكن محمود لم يكن يقود السيارة في الرسمة.
بل كان واقفًا خارجها…
وبجانبه رجل غريب يقف عند باب السيارة.
تقلّبت الصفحات بسرعة.
كل الرسومات تقريبًا كانت عن ذلك الرجل.
رجل طويل…
يرتدي قبعة سوداء…
ويقف دائمًا قرب السيارة.
وفي آخر صفحة…
كانت هناك جملة كتبتها ليان بخطها الطفولي المرتجف:
"بابا قال ما أقولش لماما إن الراجل ده بيركب معانا كل مرة."
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.
لم يخبرني محمود أبدًا أن هناك شخصًا آخر كان معهما يوم الحادث.
لم يذكر أي رجل.
لم تقل الشرطة شيئًا عن ذلك أيضًا.
لكن ليان…
كانت تعرفه.
وفجأة بدأ برق ينبح مرة أخرى…
لكن هذه المرة لم يكن ينبح نحو السيارة.
بل نحو الطريق خلفي.
استدرت ببطء.
وكان هناك شخص يقف بين الأشجار يراقبني بصمت.
شخص…
يضع قبعة سوداء.