رجعت من الإمارات
رجعت من الإمارات بشنطة مليانة هدايا… وقلبي مليان ثقة.
كان معايا شنطة سفر كبيرة، وشنطة إيد مليانة شوكولاتة من السوق الحرة كنت متخيل إن البيت هيبقى مليان فرحة لما أدخل فجأة.
الطياره وصلت قبل ميعاد بساعتين، فقلت ما أكلمش مراتي. كنت عايز أفاجئها يمكن تضحك، ويمكن ألاقي أمي الحاجة فاطمة صاحيه فأديها الكارديجان الأزرق اللي طلبته مني.
الساعة كانت تقريبًا العصر، والشارع هادي زي العادة… بس أول حاجة لفتت نظري إن باب الشقة مفتوح ومش مقفول بالمفتاح.
أول ما دخلت، سمعت صوت مراتي سماح جاي من ناحية المطبخ.
قالت بحدّة:
"يلا أسرع شوية… ما تعمليش نفسك تعبانة في بيتي."
وبعدها سمعت صوت أمي… ضعيف ومهزوز:
"لو سمحتي… إيدي وجعتني."
وقتها قلبي وقع. بقلم منــال عـــلي
قعدت لحظة في الطرقة، ومخي حاول يلاقي أي تفسير تاني للكلام اللي سمعته… يمكن فهمت غلط… يمكن الموضوع عادي.
بس لما قربت شوية… شفت اللي خلّى الدم يجمد في عروقي.
أمي… عندها اتنين وسبعين سنة… كانت راكعة على الأرض في المطبخ.
إيدها ماسكة في السيراميك عشان تتوازن… والإيد التانية بتمسح الأرض بقطعة قماش مبلولة جنبها جردل بلاستيك.
كتافها كانت بتترعش من التعب.
وسماح واقفة فوق دماغها، لابسة بنطلون رياضي وبلوفر أبيض، حاطة إيديها في بعض… وبتبص عليها كأنها خدامة.
حسيت إن معدتي وقعت في رجلي.
سماح هي
أول ما شافتني… ملامحها اتغيرت في ثانية.
عينها وسعت… وبعدها ابتسمت الابتسامة المصطنعة اللي دايمًا بتطلعها قدام الناس في العزايم.
وقالت بهدوء مصطنع:
"أوه… إنت جيت بدري."
أمي بصتلي… بس بدل ما ترتاح… كانت مرعوبة.
وده اللي كسرني من جوا.
المفروض أول ما تشوفني تحس بالأمان…
لكن شكلها كان كأني دخلت عليها في أسوأ لحظة ممكنة.
حطيت الشنطة على الأرض… وعيني ما سابتش سماح.
وقلت:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
هزت كتفها كأن الموضوع تافه وقالت: بقلم منــال عـــلي
"سكبت شوية شوربة على الأرض قبل كده… قلتلها تنظفها."
أمي فتحت بوقها كأنها هتتكلم… وبعدين سكتت.
بصيت على إيديها… كانت حمرا.
وفي كدمة جنب معصمها… عمري ما شفتها قبل كده.
قربت خطوة من سماح وقلت:
"ليه أمي على الأرض؟"
اختفت الابتسامة من وشها وقالت بعصبية:
"ما تبقاش درامي يا أحمد. هي عايشة هنا… ولازم تساعد."
تساعد.
الكلمة فضلت ترن في ودني… وأنا شايف أمي بتحاول تقوم بالعافية.
مسكت إيدها وساعدتها تقف… حسيت إنها خفيفة جدًا… كأنها فقدت نص وزنها.
أول ما لمست دراعها… اتفزعت. بقلم منــال عـــلي
مش من الوجع بس…
من الخوف.
وفي اللحظة دي، وأنا واقف بين مراتي اللي بتبصلي بتحدي… وأمي اللي مش قادرة تبص في عيني… الحقيقة ضربتني زي صدمة قوية.
الحقيقة إن ده مش أول مرة يحصل.
دي بس أول
وقفت مكاني… ومش قادر أتكلم.
الجملة اللي دارت في دماغي كانت واضحة وصريحة: "أنا كنت غايب… ومكنتش شايف."
بصيت لأمي… كانت واقفة جنبي، إيدها في إيدي، بس جسمها كله بيرتعش.
مش بس من التعب… من الرعب.
الرعب مني أنا.
ساعتها فهمت كل حاجة.
فهمت ليه كل مرة كنت أكلمها من الإمارات كانت تقول: "أنا كويسة يا حبيبي… متشيلش هم."
فهمت ليه كانت بتقفل المكالمة بسرعة.
وليه عمرها ما طلبت حاجة.
هي ما كانتش كويسة…
هي كانت بتخبي.
بصيت لسماح تاني… بس المرة دي بنظرة مختلفة خالص.
نظرة واحد شاف الحقيقة.
وقلت بهدوء مخيف: "إيه الكدمة اللي في إيد أمي؟"
اتلخبطت لحظة… بس بسرعة رجعت لبرودها: "خبّطت نفسها وهي بتقوم… ما تكبرش الموضوع."
قربت خطوة… وبقيت وش لوش معاها: "يعني إنتِ ما ضربتيهاش؟"
سكتت.
ثانيتين… بس كانوا كفاية يفضحوا كل حاجة.
أمي شدّت على إيدي وقالت بصوت ضعيف: "سيبها يا ابني… حصل خير."
بصيت لها… والدم غلي في عروقي.
"حصل خير؟!
إنتِ بتمسحي الأرض على ركبتك… وبتقولي حصل خير؟!"
دموعها نزلت… بس حاولت تمسحها بسرعة: "أنا اللي عرضت أساعدها…"
صرخت لأول مرة: "كفاية!"
البيت سكت… حتى صوت نفسي كان عالي.
لفيت وشي لسماح: "من إمتى ده بيحصل؟"
ردت بعصبية: "هو إنت جاي تحقق معايا؟! دي أمك مش ملكة!"
الجملة دي كانت آخر حاجة قالتها وهي
قربت منها خطوة… وقلت ببرود: "أيوه… أمي مش ملكة.
بس مش خدامة عندك."
سكتت… بس عنيها كلها تحدي.
قلت: "لمي هدومك."
اتصدمت: "نعم؟!"
"سمعتي. لمي هدومك وامشي."
ضحكت بسخرية: "إنت بتهزر؟ ده بيتي زي ما هو بيتك!"
بصيت حواليّا… وبعدين رجعت لها: "البيت اللي فيه أمي تتذل… ما يبقاش بيتي أصلاً."
سكتت… ووشها اتغير.
بدأت تحس إن الموضوع جد.
قالت بنبرة أخف: "أحمد… إنت مكبر الموضوع…"
قاطعتها: "إنتِ كسرتي أمي."
الإجابة دي خلّتها تسكت خالص.
كمّلت: "وكسرتي ثقتي فيكِ… ودي أكبر."
دخلت الأوضة… وفتحت الدولاب… وبدأت أرمي هدومها في الشنطة.
وهي واقفة ورايا مصدومة: "إنت هتطلقني عشان حاجة زي دي؟!"
وقفت… ولفيت لها: "حاجة زي دي؟
دي كرامة بني آدم… دي أمي."
بعد ساعة… كانت واقفة عند الباب.
مشيت وهي بتبصلي بكره…
وأنا واقف جنب أمي… ماسك إيدها.
أول ما الباب اتقفل… أمي انهارت في العياط.
حضنتها… لأول مرة من سنين.
وقالت: "كنت خايفة أقولك… تضيع بيتك."
همست وأنا بربّت على ضهرها: "البيت اللي يتبني على وجعك… ما يلزمنيش."
عدت أيام…
وأنا جنبها… أكلها بإيدي… وأضحكها… وأرجع لها حقها في كل لحظة.
بس الحقيقة اللي وجعتني بجد…
مش اللي سماح عملته.
الحقيقة إني أنا…
كنت السبب.
لأني سيبتها لوحدها.
وفي يوم… وأنا قاعد جنبها… قالتلي بابتسامة هادية:
"أنا دلوقتي حاسة بالأمان
الجملة دي…
كانت أغلى من أي فلوس جبتها من الإمارات.
وأغلى من أي هدية في الشنطة…
لأنها ببساطة رجعتلي نفسي.