طفلان توأمان
طفلان توأمان مشردين أقتربا من طاولة سيدة ثرية وقالا بخجل يا سيدتي، هل يمكن أن نتناول بقايا طعامك؟
لكن حين رفعت رأسها ونظرت إليهما تجمّدت مكانها!
كان الصغيران يُشبهان ابنيها التوأم اللذين فُقدا قبل ستّ سنوات الملامح نفسها، النظرات نفسها، وحتى الشامة الصغيرة تحت العين اليسرى التي كانت تُقبّلها كلّ ليلة قبل النوم
كانت قاعة المطعم مزدحمة بأصوات الناس وضحكاتهم في مساء الجمعة.
جلست إيما كلارك إلى طاولتها تُراجع بريدها الإلكتروني، بالكاد تنتبه لمن حولها.
ثم سمعت صوتًا خافتًا ومرتعشًا بجانبها
يا سيدتي هل يمكن أن نأخذ بعض الطعام المتبقي؟
رفعت رأسها ببطء، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بالولدَين،
شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
كانا نحيلين، يرتديان ثيابًا مهترئة أكبر من حجميهما،
وشعرهما متّسخ، ووجهيهما مغبّران كمن طاف شوارع المدينة لسنوات
لكن إيما لم ترَ الفقر ولا التعب
بل رأت الماضي.
رأت وجهَي طفليها ليام وإيثان اللذين اختفيا في يومٍ مشؤومٍ من حديقة عامة في بوسطن قبل ست سنوات.
تسارعت أنفاسها، وسقطت شوكتها من يدها لترتطم بالصحن بصوتٍ حادٍّ أفزع الولدين
قال الأكبر بسرعة، وهو يتراجع بخطوة صغيرة
نحن آسفان يا سيدتي، لم نقصد الإزعاج نحن فقط جائعان. لا نريد مالاً، فقط الطعام الذي لن تأكلينه.
تجمّدت إيما في مكانها.
عقلها يقول إن هذا مستحيل لكن قلبها كان يصرخ باسمَيهما.
العيون نفسها، النظرة نفسها وحتى النمش تحت العين اليسرى الذي لا يخطئه قلب أمّ.
ثم لمحت شيئًا آخر
جرحًا صغيرًا أبيض فوق حاجب الصغير الأيمن،
نفس الندبة التي تركها سقوط ليام عن
شهقت، ونهضت فجأة من مقعدها، والكرسي يصدر صريرًا مرتفعًا لفت أنظار الطاولات المجاورة.
اقتربت خطوة، وسألت بصوتٍ مرتجف
ما اسمكما؟
تبادلا نظرةً سريعةً قلقة، كأنهما لا يعرفان إن كان عليهما الهرب أو البقاء.
قال الأكبر أخيرًا
أنا اسمي ليو، وهذا إلي.
تجمدت الدمعة في عينها.
أسماؤهما ليام وإيثان.
تشابه غريب؟ أم صدفة مُستحيلة؟
وضعت يدها على صدرها وهي تهمس
ليو إلي هل أنتما وحدكما؟ أين والداكما؟
خفض الأصغر عينيه إلى الأرض وقال بصوتٍ مبحوح
ما عندنا أهل يا سيدتي إحنا بننام في المأوى أو في الشوارع.
كلماتهم كانت كسكينٍ يشقّ قلبها إلى نصفين.
ستّ سنواتٍ من الانتظار، من البكاء والبحث والصلوات،
والآن يقف أمامها طفلان بملامح لا يمكن أن تخطئها
فهل يكون القدر قد أعادهما إليها بهذه الطريقة الغريبة؟
مدّت يدها ببطء نحوهم، كأنها تخاف أن يختفيا إن لمستهم
في تلك اللحظة، لاحظت شيئًا آخر
عقدًا صغيرًا حول عنق أحدهما، منقوشًا عليه أول حرفين من اسمي ولديها الحقيقيين.
ارتجف صوتها وهي تهمس
من أين حصلت على هذا؟!
رفع الولد رأسه بارتباك وقال
كان معانا من زمان قالوا لنا إنه بتاعنا من لما كنّا صغار.
انهارت إيما على الكرسي، والدموع تملأ عينيها.
كلّ خلية في جسدها كانت تصرخ بالحقيقة.
لكنها كانت تخاف النطق بها.
هل يمكن أن يكونا حقًا طفليها اللذين اختفيا قبل ست سنوات؟
أم أن الحياة تُعيد لها الأمل لتسلبه من جديد؟
في تلك اللحظة، لم تعد تسمع أصوات الناس حولها،
ولا ترى الوجوه المندهشة التي التفتت نحوها،
ولا تشعر بأنفاسها المرتعشة.
كل ما تراه هو وجهان صغيران
وعينان تحملان إجابةً لم تُقال بعد
كان قلبها يقول
إنهما ولداي.
لكن عقلهما المذعور قال شيئًا آخر
كأنهما يخفيان سرًّا أكبر من الجوع بكثير.
..مدّت إيما يدها ببطء، ثم أمسكت بكتف الصغير برفق، كأنها تخشى أن يتلاشى إن لمسته.
قالت بصوتٍ يكاد يُسمع
كم عمركما؟
نظر الولدان إلى بعضهما، ثم قال الأكبر
يمكن حوالي 11 سنة.
أغمضت إيما عينيها للحظة.
هذا هو العمر نفسه تقريبًا.
تنفست بعمق، ثم قالت للنادل بسرعة
أحضر طعامًا لهما أي شيء، بسرعة.
جلس الولدان بتردد على الكرسيين المقابلين لها، وكأنهما غير معتادين على الجلوس في مطعم كهذا.
وعندما وصل الطعام أكلا بسرعة طفلين لم يتذوقا وجبة حقيقية منذ أيام.
كانت إيما تنظر إليهما بصمت، تراقب كل حركة.
طريقة الإمساك بالملعقة
الطريقة التي يرفع بها الصغير كتفه عندما يضحك
حتى الطريقة التي ينادي بها الأكبر أخاه إلي.
كل شيء كان مألوفًا بشكلٍ مؤلم.
بعد دقائق، قالت بهدوء
هل تتذكران شيئًا عن طفولتكما؟ قبل الشوارع؟
هزّ إلي رأسه.
لكن ليو تردد قليلًا ثم قال
أحيانًا أحلم ببيت كبير.
وفيه حديقة فيها أرجوحة.
توقف قلب إيما لحظة.
ذلك البيت كان بيتها.
اقتربت أكثر وقالت
وهل تتذكران امرأة؟
سكت الولد قليلًا ثم قال
نعم لكن وجهها مش واضح.
كانت تغني لنا قبل النوم.
انهارت دمعة على خد إيما.
الأغنية نفسها التي كانت تغنيها لهما كل ليلة.
لكن فجأة قال ليو شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
الرجل قال لنا ما نحكيش عن البيت وإلا هيلاقينا.
تجمدت إيما.
أي رجل؟
نظر الولدان حولهما بتوتر، ثم اقترب ليو وهمس
الرجل اللي أخدنا من الحديقة.
اختفى الصوت
قالت بسرعة
هل ما زال معكما؟
هزّ إلي رأسه.
لا هربنا منه قبل سنة.
أين كان يعيش؟
بيت قديم وكان بيجبرنا نشتغل في الشارع.
لم تستطع إيما التنفس.
ست سنوات
ست سنوات كان طفلاها يُجبران على التسول بينما كانت تبحث عنهما في كل مكان.
أخرجت هاتفها بيد مرتجفة.
اتصلت بالشرطة فورًا.
بعد ساعة كانت القاعة مليئة بالضباط.
والطفلان جالسان بجانبها، يلتصقان بها بخوف.
وصل ضابط مسنّ كان يعمل على قضية اختفاء طفليها منذ البداية.
نظر إلى الولدين طويلًا ثم قال بهدوء
نحتاج تحليل DNA للتأكد.
مرت الأيام الثلاثة التالية كأنها سنوات.
وأخيرًا
رنّ الهاتف.
كان المختبر.
يدها كانت ترتجف وهي تفتح الرسالة.
النتيجة
تطابق بنسبة 99 99٪.
توقف الزمن.
سقط الهاتف من يدها.
ثم انفجرت بالبكاء وهي تحتضنهما بقوة لأول مرة منذ ست سنوات.
ليام إيثان
نظر الولدان إليها بارتباك ثم قال الصغير ببطء
هل أنتِ ماما؟
لم تستطع الكلام.
اكتفت بالعناق.
بعد أسابيع اكتشفت الشرطة الحقيقة الكاملة.
الرجل الذي خطفهما كان يعمل سابقًا حارسًا في الحديقة يوم اختفائهما.
وكان جزءًا من شبكة تستغل الأطفال المشردين.
لكن الأغرب
أن من سهّل له خطف الطفلين لم يكن غريبًا.
بل كان مدير أعمال زوجها السابق الذي حاول ابتزاز العائلة.
تم القبض على الشبكة كاملة.
أما ليام وإيثان
فاحتاجا شهورًا طويلة ليتعلما الحياة من جديد.
سرير نظيف.
غرفة خاصة.
مدرسة.
وفي إحدى الليالي
دخلت إيما غرفتهما لتطفئ الضوء.
فقال إيثان وهو نصف نائم
ماما غني لنا.
تجمدت للحظة.
ثم جلست بين السريرين وبدأت تغني نفس الأغنية القديمة.
الأغنية التي
وبينما كان الصوت يملأ الغرفة
أدركت شيئًا واحدًا فقط.
أحيانًا
حتى بعد ست سنوات من الظلام
يمكن للقدر أن يعيد النور.