جوزي جابلي علبة بوتوفور
جوزي جابلي علبة "بتي فور" من محل غالي أوي بمناسبة عيد جوازنا.
وتاني يوم وهو في الشغل، كلمني بصوت مهزوز، وكأنه خايف من حاجة:
"ألو... يا دعاء؟ أكلتي من العلبة اللي جبتهالك؟"
رديت ببرود وضيقة:
"لأ... مامتك جت زارتني الصبح وخلصت العلبه كلها.
السكة سكتت تماماً.
سمعت صوت أنفاسه بتعلى وكأن روحه بتتسحب منه.
وفجأة صرخ بصوت مرعوب:
"إيه؟! أمي؟! إنتِ بتقولي إيه؟ أمي أكلت منه؟!"
وفي نفس اللحظة... سمعت صوت دبدبة قوية في الصالة.
حماتي وقعت من طولها.
جوزي "عصام"، بقالنا سنتين علاقتنا زي التلج.
خناقات، ومحاكم، وتهديد بالطلاق كل يوم.
كان دايماً يقولي: "مش هسيبك تتهني بقرش مني لو طلقتك."
عشان كده لما دخل عليا امبارح بعلبة شيك، وقال بابتسامة صفرا:
"كل سنة وإحنا طيبين... صفحة جديدة يا بنت الناس."
أنا ماصدقتوش.
حطيت العلبة على السفرة وقلتله: "كتر خيرك."
دخل نام، والصبح نزل بدري أوي قبل ما أصحى.
على الساعة ١٠ الصبح، الباب خبط.
كانت حماتي، "الحاجة كريمة".
ست قوية، مفترية، ومابتعتقش.
دخلت تتفقد الشقة كعادتها، وعينها جت على العلبة.
قالت وهي بتفتحها بوقاحة:
"إيه ده؟ عصام جايبلك حلويات؟ هو ابني ده مهنني أنا ولا مهنيكي إنتِ؟"
ومدت إيدها.
كنت واقفة بتفرج عليها بغيظ وهي بتاكل واحدة ورا التانية بنهم غريب.
"الله... ده طعمه غريب شوية بس حلو... فيه لسعة كده."
ماحاولتش أمنعها.
قلت في سري "بالهنا والشفا، يمكن تسدي بقك عني شوية."
لحد ما خلصت نص العلبة تقريباً.
بعدها بساعة... موبايلي رن.
عصام.
سألني السؤال اللي وقف قلبي:
"كلتي يا دعاء؟ طعمه عجبك؟"
قلتله بانتصار:
"لأ يا حبيبي... مامتك اللي قامت بالواجب، أكلت لحد ما شبعت."
سكت.
صمت مرعب.
وبعدين صوته طلع مخنوق، وكأنه بيبكي:
"أمي؟... لأ... مستحيل... يا نهار أسود... يا نهار أسود!"
قلت بقلق:
"في إيه يا عصام؟ مالك اتفزعت كده؟"
صرخ بجنون:
"إجري عليها دلوقتي! خليها ترجع اللي في بطنها! حالاً يا دعاء! إجري!"
سألته وأنا جسمي بيتلج:
"ليه؟ هو الأكل بايظ؟"
قال جملة خلت الدم يهرب من عروقي:
"ده مش أكل... أنا كنت حاططلك فيه... سمّ فير*ان مر*كز عشان أخلص منك!"
الموبايل وقع من إيدي.
بصيت ناحية الصالة.
حماتي كانت قاعدة على الكنبة... ماسكة رقبتها...
وشها أزرق تماماً... وعينها مبرقة وبتبصلي برعب واستنجاد.
حاولت تقوم... بس رجلها شالتهاش.
ووقعت على الأرض بتقل مخيف.
وفي التليفونالموبايل وقع من إيدي… لكن صوت عصام كان لسه طالع منه، بيصرخ بشكل هستيري:
"دعاء! ردّي عليا! عملت إيه؟ لحقتيها؟!"
أنا كنت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك… عيني على حماتي المرمية على الأرض.
جسمها بيترعش رعشة خفيفة… وإيديها بتخبط في الأرض كأنها بتحاول تمسك في أي حاجة تنقذها.
قربت منها وأنا مرعوبة.
قلت بصوت متكسر:
"يا حاجة كريمة… سامعاني؟
كانت عينيها مفتوحة… بتبصلي برجاء… لكن صوتها مكنش طالع.
بس أنفاسها كانت تقيلة جداً… وكأنها بتغرق.
رفعت الموبايل من الأرض بإيد مرتعشة.
"عصام… هي بتموت!"
سكت ثانية… وبعدين قال بصوت منهار:
"اسمعي كلامي بسرعة… افتحي بوقها وخليها ترجع اللي في بطنها… بسرعة قبل ما السم ينتشر!"
صرخت فيه:
"إنت مجنون؟! إنت كنت ناوي تقتلني؟!"
قال وهو بيعيط:
"كنت فاكر إنك هتاكلي منها لوحدك… أنا… أنا اتجننت… كنت عايز أخلص من الخناقات والمحاكم… بس أمي… أمي مالهاش ذنب!"
أنا مكنتش سامعة نص كلامه أصلاً.
جريت ناحية المطبخ… جبت مية وملح زي ما سمعت قبل كده… وحاولت أخليها تشرب.
حماتي كانت شبه فاقدة الوعي.
فضلت أصرخ فيها:
"يا حاجة! ركزي معايا… بالله عليكي!"
بعد لحظات… بدأت تكح جامد…
وجسمها اتشنج… وبعدين رجعت جزء من اللي أكلته.
بس كان واضح إن السم بدأ يأثر.
مسكت الموبايل تاني وصرخت في عصام:
"أنا هطلب الإسعاف!"
قال بخوف:
"اطلبيها فوراً… وأنا جاي حالاً!"
اتصلت بالإسعاف… وصوتي بيترعش وأنا بديهم العنوان.
الدقايق اللي بعد كده كانت أطول دقايق في حياتي.
حماتي ممددة على الأرض… وأنا جنبها… بحاول أفوقها… وهي بين لحظة والتانية تغيب عن الوعي.
بعد حوالي عشر دقايق…
سمعت صوت عربية الإسعاف تحت البيت.
الدكاترة طلعوا بسرعة…
كشفوا عليها… وحطولها أكسجين… ونقلوها على النقالة.
واحد منهم سألني بحدة:
"أكلت
بصيتله… ولساني تقيل.
قلت كلمة واحدة:
"حلويات."
نزلنا معاهم المستشفى.
بعد ربع ساعة… عصام وصل… وشه أصفر كأنه ميت.
أول ما شاف أمه على السرير في الطوارئ… وقع على الكرسي ودفن وشه في إيده.
كان بيهمس لنفسه:
"أنا قتلت أمي… أنا اللي قتلتها…"
بعد ساعة انتظار…
الدكتور خرج.
قال بجدية:
"الست حالتها كانت خطيرة… بس الحمد لله وصلتلنا في الوقت المناسب… عملنا غسيل معدة، والسم كان لسه ما انتشرش بالكامل."
أنا حسيت رجلي بتسيبني من تحتّي.
الدكتور كمل:
"بس لازم نعرف… مين اللي حط السم؟"
الصالة سكتت تماماً.
عصام كان قاعد قدامي…
رافع عينيه ناحيتي… مليانة خوف ورعب.
في اللحظة دي…
فهمت إن كلمة واحدة مني… ممكن توديه السجن طول عمره.
الدكتور سأل تاني:
"مين المسؤول عن اللي حصل؟"
أنا بصيت لعصام…
وبعدين بصيت للأرض…
وقلت بهدوء:
"يمكن… كان سم فِران اتحط بالغلط في البيت… واحنا ماخدناش بالنا."
عصام رفع رأسه بسرعة… وعينيه اتملت دموع.
الدكتور هز رأسه وقال:
"لازم تنتبهوا بعد كده… الموضوع كان ممكن يخلص بمأساة."
بعد ما مشي…
عصام قرب مني ببطء… وصوته كان مكسور:
"ليه… ليه ما قولتيش الحقيقة؟"
بصيتله ببرود شديد… وقلت:
"أنا منقذتشَكش… أنا بس سبتك تعيش."
سكت لحظة.
وكملت وأنا ببص في عينه مباشرة:
"عشان تفضل فاكر طول عمرك… إن السم اللي كنت محضّره ليا… كان أول حاجة قتلها… هو جوازنا."
ومن يومها…
ما
بس كل ما بشوفه في المحكمة…
بشوف نفس النظرة في عينه.
نظرة الراجل…
اللي حاول يقتل مراته…
فقتل حياته بإيده.