أنا اعتنيت بحماتي

لمحة نيوز

أنا اعتنيـت بحمـاتي لمدة تـلات أسابيـع في المستشـفى بـعد ما حصـل لها جلطـة، والـيوم اللي خـرجت فيـه ما اديتنيـش حاجـة غير علبـة فيتاميـنات مفتوحـة.... لكن لما فتـحت العـلبة بالليـل… اللي لقيـته جـوه خـلاني أبكـي.....

أنا اسمي لميـاء . عندي ٣٢ سنة وبشتغل محاسـبة في محـل صغير لـمواد البنـاء في الـقاهرة. جوزي، أحمد، مهندس وبيشتغل في شركة إنشاءات...

راجل محترم وهادي ومسؤول... كل شهر بياخد مرتبه ويديهاولي من غير ما يخبي حاجة. عمره ما خرج مع صحابه للصبح ولا رفع صوته عليا في البيت....

اللي مسكتني وخلاني أعيش كل السنين دي بصبر كان هو.

لكن علاقتي بحماتي كانت دايمًا مختلفة.

من أول يوم دخلت البيت حسيت إن أنا مش النمرة اللي كانت في دماغها لابنها....

مش بشكل واضح. حماتي عمرها ما صـ.ـرخت عليا أو سبّبت لي إهانة. .. لكن ساعات العين بتتكلم أكتر من الكلام. نظرة باردة، صمت طويل، أو تعليق بسيط بس يخليك تحس بطعم مر.

فاكر يوم فرحي لحد دلوقتي....

بعد ما راح الضيوف وبقى البيت نص ساكت، نادتني حماتي على المطبخ. فكرت إنها عايزة تشكرني أو تديني نصايح.

لكن كلامها كان مختلف.....

- هنا إحنا مش أغنياء يا لمياء لو هتكوني جزء من العيلة، لازم تتعلمي تهتمي بالبيت.....

قالت بصوت واطي وهي بترتب اطبـاق

أنا هززت راسي. معرفتش أعمل إيه غير كده.

ومن ساعتها قررت إني هبذل كل جهدي....

سنين طويلة صحيت قبل الساعة ستة الصبح. حضّرت الفطار، وحضّرت الغدا، ورتّبت البيت وبعدين

روّحت للشغل. ولما رجعت بعد الضهر، كنت كملّ على العشا والتنضيف والهدوم.

عمري ما اشتكيت....ولا حتى لما كنت أسمع بعض التعليقات قدام العيلة:

—النهاردة البنات بس عارفين يشتغلوا ويجيبوا فلوس — قالت مرة حماتي أثناء الغدا — بس البيت… البيت قصة تانية.

كان في حلقة في حلقي يومها.

أحمد لاحظ.

بعد شوية قالي ما تاخديش بالك، أمه طبعها صعب. بس أنا كنت دايمًا بطلب منه:

—ماتجادليش معاها عشاني.

آخر حاجة، دي أمّه.

والسنين مرت كده… بدون مشاكل كبيرة، بس كمان من غير دفء....

لحد ما جه اليوم اللي غيّر كل حاجة...كان يوم تلات أنا كنت في المكتب بمراجعة فواتير لما رن التليفون....كان جيراننا.

- لمياء، لازم تجي بسرعة ... قال بصوت متوتر

- حماتك وقعت.

قلبي وقع...ركضت على طول من الشغل. لقيت حماتي على الأرض في الصالون. وشها باهت ومش قادر تتكلم كويس.

اتصلت بالإسعاف.....

الدكاترة قالوا إنها حصل لها جلطة بسيطة.

أخدّوها مستشفى الجامعة في القاهرة.

أحمد كان شغال في موقع إنشاءات بعيد في مدينة تانية. حاول يرجع بسرعة بس ماكانش يقدر يسيب المشروع على طول.

فخلال الأيام الأولانية… أنا كنت لوحدي.

لوحدي مع حماتي في المستشفى.

نمت على كرسي صلب جنب سريرها. كلمت الدكاترة. اشتريت دوا. مضيت أوراق. أديتها تاكل لما مش قادرة تمسك المعلقة.

فيه شوية ممـ.ـرضات افتكروني كإني بنتها.

—باين عليها بتحبها قوي — قالت واحدة منهم في نص الليل وهي بتغيّر المحاليل....

أنا بس ابتسمت.

ماكنتش

عارفة أوصف إن الحب مش دايمًا بييجي من العاطفة… أحيانًا بييجي من الواجب.

عدّت تقريبًا تلات أسابيع.

شويّة شويّة حماتي بدأت تتعافى. بقت تقدر تمشي بمساعدة وتتكلم أوضح.

وفي يوم الصبح، الدكتور دخل مبتسم.

—أظن بكرة ممكن نديها خروج.

أحمد كمان جه النهارده. قدر ياخد كام يوم أجازة.

غرفة المستشفى اتملّت بالعيال والعيلة. كل الناس بيتكلموا ويضحكوا ويحتفلوا إن حماتي بقت أحسن.

أنا وقفت شوية على جنب، بلم حاجات في شنطة.

لما خلصت، قربت من الترابيزة اللي فيها أدوية حماتي. كانت فيها قوارير وصناديق ووصفات...

بعدها نادتني: لمياء.

صوتها كان أخف من العادي.

قربت...أخدت مني علبة فيتامين صغيرة من على الترابيزة. كانت علبة كرتون، مستعملة شوية.

—خديها — قالت — دي فيتامينات ساعدتني أرجع قواي. أنتي كمان شكلك تعبانة.

لمّست قلبي إحساس غريب. يمكن… بعد السنين دي كلها، هي بتحاول تبينلي شوية حب.

قبلتها.

—شكرًا يا حماتي.

حطيتها في شنطتي من غير ما أبص جوه.

الليل لما رجعنا البيت، وكل الناس نامت، قعدت لوحدي في المطبخ. كنت مرهقة، كتافي وجعي، وعيوني تقيلة.

فجأة افتكرت العلبة...

طلعتها من الشنطة. فكرت آخد فيتامين بكرة.

فتحت الغطا بشويش.

لكن أول ما بصيت جوه…

حسيت إن قلبي اتقطع.

لأن جوه العلبة… ماكانتش بس فيتامينات  …...
لأن جوه العلبة… ماكانتش بس فيتامينات.
كان في كيس صغير ملفوف بورقة مناديل… وتحت الكبسولات مباشرة.
استغربت في الأول. قلت يمكن دواء تاني حطّته

جوه بالغلط.
فتحت الكيس بإيدي المرتعشة.
ووقتها… دموعي نزلت قبل حتى ما أفهم.
كان جواه خاتم دهب قديم… شكله تقليدي شوية، واضح إنه من زمان.
وتحت الخاتم ورقة صغيرة متطبقة بعناية.
فتحت الورقة.
خط حماتي كان باين إنه متعب… الحروف مهزوزة كأنها كتبتها وهي لسه تعبانة.
مكتوب فيها:
"يا لمياء…
أنا عارفة إن عمري ما كنت أم سهلة ليكي.
ويمكن عمري ما عرفت أقول كلمة حلوة في وقتها.
بس طول التلات أسابيع اللي كنتي قاعدة فيها جنبي في المستشفى…
كنت شايفاكي كويس.
شايفاكي وإنتي بتنامي على الكرسي.
وشايفاكي وإنتي بتأكليـني بإيدك.
وشايفاكي لما افتكرتك الممرضة بنتي.
وساعتها… لأول مرة حسيت إن يمكن ربنا رزق ابني ببنت أحسن مني.
الخاتم ده كان خاتم جوازي…
احتفظت بيه سنين طويلة.
دلوقتي أنا عايزة يبقى ليكي.
مش عشان تعبك بس…
لكن عشان قلبك اللي استحملني سنين.
لو عمري ما قلتها قبل كده…
أنا فخورة إنك مرات ابني."
الورقة وقعت من إيدي على الترابيزة.
فضلت قاعدة في المطبخ أبكي بصمت…
مش من الزعل.
لكن من السنين اللي عشتها فاكرة إن قلبي تقيل عليها…
وإنها شايفاني مجرد واجب.
وفي اللحظة دي بالذات… سمعت صوت خطوات ورايا.
لفّيت بسرعة ومسحت دموعي.
لقيت حماتي واقفة عند باب المطبخ… مسنودة على الحيطة.
واضح إنها قامت من أوضتها بصعوبة.
بصتلي… وبصت للخاتم في إيدي.
وقالت بهدوء:
—فتحتي العلبة؟
هزيت راسي وأنا لسه مش قادرة أتكلم.
قربت شوية وقالت:
—كنت خايفة ما تعجبيش بيه.
وقتها… عملت حاجة عمري ما تخيلت نفسي
أعملها.
قمت…  .
حسيت بإيديها بتترفع ببطء حواليا… كأنها مش متعودة  
لكن بعد ثانية…  .
ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده…
حسيت إن عندي أم تانية فعلًا.

تم نسخ الرابط