فريده

لمحة نيوز

فريدة بنت فقيرة… لكـنها جميلة جمال من نوع خاص. جمالها ملفت للنظر رغم لبسها القديم وأسلوبها الشعبي. كانت معروفة في الحارة بعباياتها المقسّمة، وعودها المظبوط، ومشيتها الواثقة. عايشة في حارة شعبية، وبتشتغل في محل هدوم بسيط علشان تعيش.
ولسوء حظها… في اليوم ده دخل الحارة رجل أعمال شاب في الثلاثينات. وسيم؟ آه… لكن واضح عليه الكبرياء والعظمة.
هي شافته كده فعلًا.
اسمه سليم الجمال.
مرشح للانتخابات… وجاي يتمم على المنطقة ويرشي أهلها كعادة المرشحين.
كان حواليه شوية مطبّلاتية معروفين لأهل المنطقة، بيوزعوا رز وسكر وحلويات للناس… وللعيال اللي جريانة حواليهم.
فريدة دخلت المحل وهي بتتأفف، بعد ما شافت الناس كلها بتمجّد وتهلل لـ«سموّه العظيم» سليم الجمال.
وفجأة… قرب منها حوكا الحراق.
واحد مشهور ببلطجته ووساخته، وما بيسيبهاش في حالها لا رايحة ولا جاية.
قرب منها وبص لها من فوق لتحت بوقاحة وقال:
«أهلاً ببنت قلبي… فريدة عثمان. اتفضلي يا حلويات… حلويات لزومك يا حلويات إنتِ.»
دمها فار في اللحظة دي… خصوصًا لما لقت العيون كلها عليها.
الحارة كلها انتبهت.
أصلهم متعودين على خناقاتهم…
بس الجديد كان سليم الجمال اللي انتبه

للموقف، وما عجبوش اللي بيحصل.
ولسه كان هيتكلم ويتدخل…
فجأة فريدة خطفت علبة الحلويات من إيد حوكا، فتحتها…
وهوب!
لبّستها في وشه.
حوكا ما لحقش يستوعب الصدمة الأولى… ولا سليم الجمال اللي قرر يدخل لكن ملحقش للأسف، لأنه في اللحظة اللي بعدها كان هو بنفسه لابس باقي صينية الحلويات اللي أقسم ليها إنه هينتقم منها... ويروضها.. 
— «يا نيلة سودة يا فريدة! إيه اللي عملتيه ده؟! لبّستي ابن الجمال صينية الحلويات! إنتِ عارفة إنتِ عملتي إيه؟!»
كانت خالتها، اللي ربّتها بعد موت أمها وأبوها، بتولول وتلطم وهي بتعض على شفايفها… ولسه فاكرة كلامه لما حوكا حاول يمد إيده على فريدة، وسليم وقف وقال له:
«اخرس! أوعى تقرب منها يا حيوان… وإلا ما حيّتك من على وش الدنيا.»
الكل وقف ساكت… يتفرج.
لحد ما قرب سليم الجمال من فريدة وقال بهدوء:
«قطة… وليها خربوش. وأنا بحب النوع ده قوي… بحب أروّضه ويكون ليا.»
كانت لسه هتصرخ…وتعمل عمايلها لقت ايده.
...كانت لسه هتصرخ وتعمل عمايلها، لكن فجأة لقت إيده مسكت دقنها بخفة… مش بعنف، لكن بطريقة فيها تحدي واضح.
قرب وشه منها شوية، وعينيه بتلمع بنظرة غريبة وقال بصوت واطي ما يسمعوش غيرها:
«لو كنتي
فاكرة إن اللي عملتيه ده هيخوفني… تبقي غلطانة. أنا اتسليت.»
سحبت وشها من إيده بعنف وقالت وهي بتجز على سنانها:
«إيدك بعيد عني… أنا مش لعبة عندك ولا عند غيرك.»
الحارة كلها كانت ساكتة… حتى حوكا نفسه وقف مذهول، ووشه كله شربات وكريمة.
واحد من رجال سليم قرب منه وقال بتوتر:
«باشا… الناس بتتفرج.»
لكن سليم رفع إيده وسكّته، وعينه ما سابتش فريدة لحظة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
«اسمك فريدة… صح؟»
رفعت دقنها بتحدي:
«وأنت مالك؟»
ضحك بخفة، وبص حواليه للحارة كلها اللي واقفة تترقب، وبعدين رجع لها تاني:
«من النهارده… هفتكر الاسم ده كويس قوي.»
خالتها جريت عليها وشدتها من دراعها وهي بتهمس بعصبية:
«امشي يا بت من هنا… إنتِ مش عارفة ده مين!»
لكن قبل ما تمشي خطوتين، صوت سليم وقفهم:
«استني.»
الناس اتلفتت تاني…
وفريدة وقفت مكانها من غير ما تبصله.
قال بهدوء:
«أنا مش بزعل من اللي عنده جرأة. بالعكس… بعرف أقدّر الجرأة.»
بعدين مسح بقايا الكريمة من على بدلته ببرود، وكأنه ولا فارق معاه حاجة.
وأشار لرجالته وقال:
«هاتوا عنوان محل الهدوم اللي بتشتغل فيه.»
القلب دق في صدر فريدة بعنف… لكنها رفضت تبين أي خوف.
لفت له وقالت بسخرية:
«هتشتكي
عليا يعني؟»
هز راسه بالنفي… وابتسامته وسعت شوية.
«لا…»
وسكت لحظة كأنه بيتعمد يشد أعصابها.
وبعدين قال:
«هشتريه.»
الهمهمة انتشرت في الحارة.
واحد من الرجالة سأله:
«المحل كله يا باشا؟»
رد سليم وهو لسه باصص لفريدة:
«المحل… والعمارة اللي فوقه كمان.»
عيون فريدة اتوسعت لحظة… لكن سرعان ما تماسكت وقالت بعناد:
«فلوسك الكتير دي ما تقدرش تشتري الناس.»
ابتسم سليم ابتسامة باردة وقال:
«مش دايمًا…»
وقرب خطوة منها لدرجة إن أنفاسه بقت قريبة.
«بس أحيانًا… بتخلّيهم يقربوا لوحدهم.»
لفت فريدة ومشيت بسرعة وهي ماسكة إيد خالتها… لكن قبل ما تختفي من أول الحارة، سمعت صوته مرة تانية وراها:
«يا فريدة!»
وقفت لحظة… رغم إنها كانت ناوية ما تردش.
«إيه؟»
رد وهو واقف وسط رجاله، وصوته واصل لكل الحارة:
«الجولة الأولى ليكي… بس اللعبة لسه طويلة.»
مشيت من غير ما ترد.
لكن وهي ماشية… قلبها كان بيقول حاجة واحدة بس:
الراجل ده… مش هيسيبها في حالها.
وفي نفس الليلة…
كانت فريدة قاعدة في أوضتها الصغيرة فوق السطح، بتحاول تنام… لما سمعت صوت عربية فخمة وقفت تحت البيت.
خالتها بصت من الشباك فجأة… واتجمدت.
همست بصوت مرعوب:
«يا نهار أبيض…»
فريدة قامت
بسرعة وقالت:
«في إيه؟»
خالتها بصتلها وقالت:
«ده… سليم الجمال بنفسه طالع السلم.»

تم نسخ الرابط