انا اسامة بقلم اماني السيد
أنا أسامة… كنت بحب بنت جارتنا أيام الكلية.
الإعجاب كان متبادل، وعيوننا كانت بتتكلم قبل كلامنا. ماكانش بينا كلام كتير، لكن كل نظرة كانت كأنها جملة كاملة. كنا صغيرين، أحلامنا أكبر مننا، والدنيا وقتها كانت باينة سهلة وبسيطة.
كنا بنشوف بعض كل يوم تقريبًا… في مدخل العمارة، على السلم، أو في الطريق للجامعة. أحيانًا كنا نقف نتكلم شوية عن الدراسة أو عن المستقبل. كانت الأيام بتمر بسرعة، وكل واحد فينا حاسس إن التاني جزء طبيعي من حياته.
لكن بعد ما اتخرجنا، الدنيا أخدت كل واحد في طريق.
هي اتجوزت وسافرت مع جوزها بعيد، وأنا كملت حياتي.
اتقدمت لبنت خالتي، وهي وأهلها وافقوا. واتجوزنا في بيت والدي في نفس العمارة اللي أهلي ساكنين فيها.
كنت في بداية حياتي العملية، ولسه ببدأ مشواري في البنك.
السنين بدأت تعدي…
اشتغلت بجد واجتهاد، وفضلت أترقى سنة بعد سنة، لحد ما بقيت مدير فرع.
البيت كبر، والمسؤوليات كبرت معاه.
مراتي كانت إنسانة هادية وطيبة، دايمًا واقفة جنبي.
اهتمت بالبيت وبالأولاد، وربنا رزقنا البنات والبنين.
الحياة ماكنتش مثالية، لكن كانت مستقرة وهادية.
مرت عشر سنين تقريبًا…
وفي يوم من الأيام سمعت إن جارتنا رجعت تاني تسكن عند والدتها.
رجعت لوحدها… بعد وفاة زوجها.
أول مرة شوفتها بعد كل السنين دي، حسيت إن الزمن وقف لحظة.
ملامحها اتغيرت شوية، لكن عيونها كانت زي ما هي.
رجعت أقف في البلكونة كتير… نفس المكان اللي كنت بوقف فيه زمان.
عمارة والدتها كانت قدامنا مباشرة، وبين البلكونتين مسافة صغيرة.
أوقات كنت أشوفها واقفة بتبص للشارع.
وأوقات كانت تقفل البلكونة وتمشي.
كان بينا سلام بسيط من بعيد.
لكن مجرد إننا بقينا نشوف بعض تاني، كان كفيل يرجع ذكريات كتير.
بقيت أفكر في أيام الكلية…
في الكلام البسيط…
في الأحلام اللي كنا بنحكي عنها.
في البيت بدأت أبقى ساكت أكتر.
مراتي لاحظت ده، وسألتني أكتر من مرة:
"مالك يا أسامة؟ شكلك مشغول البال."
كنت دايمًا أقول إن الشغل ضاغط شوية.
وهي كانت تصدق… وتحاول تريحني أكتر.
الأيام عدت…
وفي يوم وأنا راجع من الشغل قابلتها صدفة في الشارع.
وقفنا نتكلم شوية…
سألتني عن شغلي، وسألتها عن حياتها بعد السنين الطويلة.
الكلام كان عادي… لكن جواه ذكريات كتير.
بعد كده بقينا أحيانًا نتكلم لما نتقابل صدفة.
عن أيام الجامعة… عن الناس اللي كنا نعرفهم… وعن الحياة اللي غيرت كل حاجة.
كنت بحس إن الماضي بيحاول يرجع يفتح بابه تاني.
لكن مع الوقت بدأت أحس إن الموضوع محتاج وقفة.
كل واحد فينا بقى عنده حياة مختلفة ومسؤوليات.
وفي يوم رجعت البيت بدري شوية.
أول ما فتحت الباب لقيت الصالون متزين ببالونات بسيطة.
الأولاد كانوا واقفين يضحكوا ويجروا حواليا.
ومراتي خرجت من المطبخ شايلة تورتة صغيرة.
وقالت بابتسامة:
"مبروك يا أستاذ أسامة… النهارده بقى لك عشر سنين مدير في البنك."
وقتها اتفاجئت…
أنا نفسي كنت ناسي اليوم ده.
قعدنا سوا، ضحكنا واتكلمنا.
الأولاد كانوا فرحانين كأنهم هم اللي نجحوا.
بصيت ليهم كلهم…
وساعتها حسيت إن الحياة اللي بنيتها على مدار
البيت…
الزوجة اللي استحملت معايا تعب السنين…
والأولاد اللي شايفين فيا قدوة.
وفي اللحظة دي سألت نفسي سؤال بسيط:
هل الإنسان ممكن يضيع كل ده علشان يعيش في ذكريات قديمة؟
تاني يوم قابلت جارتنا.
اتكلمنا شوية… لكن المرة دي الكلام كان مختلف.
قلتلها بهدوء:
"يمكن الأيام اللي فاتت كانت جميلة… لكن كل واحد فينا بقى عنده حياته."
هي سكتت شوية… وبعدين قالت إنها فاهمة.
اتمنينا لبعض الخير، وكل واحد فينا كمل طريقه.
رجعت البيت بدري يومها.
مراتي كانت واقفة في البلكونة بتسقي الزرع.
وقفت جنبها لحظة… نفس البلكونة اللي كنت بوقف فيها زمان وأنا شاب صغير.
بصيت لها وقلت بهدوء:
"يمنى… وحشتيني."
لفتت لي باستغراب بسيط، لكن ابتسامتها كانت دافية زي عادتها.
وساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا…
إن الذكريات ممكن تبقى جميلة،
لكن الحياة الحقيقية هي الناس اللي فضلوا جنبك سنين طويلة،
والبيت اللي اتبنى بالصبر والمودة.
وإن أحيانًا…
أغلى حاجة في حياة الإنسان
هي الحاجات
بس ما بياخدش باله من قيمتها إلا لما يقف ويفكر.