صيلد راح يصطاد
صيـاد راح يصطاد، رمـى شبـكته فـي النهـر… لكـنه طـلع مـنها طـفل مربـوط ولـسه عايـش
في ليلة هادية، خرج عم محمود السيوفي، صيـاد أرمل بقاله سنين عايش بين الحزن والوحدة، للنهر زي كل يوم، على أمل يطلع شوية سمك يعيش منهم.
لكن اللي رجعته له الميه الليلة دي ماكانش سمك خالص…
كانت طفلة صغيرة مربوطة بقطعة قماش ومترمية في الميه علشان تموت… لكنها كانت لسه بتتنفس.
عم محمود ماكنش يعرف إن اللحظة دي هتغيـر حياته كلها...
ماكنـش يعرف إنه لما ينقذ الطفلة دي هيبقى حارس لسر خطـير… وإن الماضي هييجي يوم ويحاول ياخدها منه.
بس علشان نفهم قوة الراجل ده… لازم نرجع شوية ونشوف الوحدة اللي كان عايش فيها.
كانت حياة محمود عبارة عن صمت وروتين.
كان بيصحى قبل الفجر، يغسل وشه بمية ساقعة من البير، وبعدها يمشي في الطريق الترابي اللي بيودي للنهر وسط شجر الجميز والنخيل.
أهل القرية كانوا بيسلموا عليه باحترام…
لكن محدش كان بيقرب منه قوي.
من يوم ما مراته أمينة ماتت من أكتر من عشر سنين، الفرح اختفى من بيته وحياته،، كانت أمينة ست خفيفة الدم، تضحك بسهولة، وتغني وهي بتطبخ السمك، وتناديه دايمًا: يا راجل
محمود بطل يغني...وبطل يقعد مع الناس...مافضلش في حياته غير النهر…النهر اللي جمعه بمراته زمان، وبقى دلوقتي عزاه الوحيد… وألمه كمان.
أوقات وهو بيجدف لوحده في المركب الخشب القديم، كان بيفتكر شبابه اللي الأيام خدته مع التيار زي ورق الشجر...كان راجل طيب… بس تعبان من الدنيا.
كان بيهتم بمركبه كأنه بيهتم بقبر.
ومع كل مرة يرمي الشبكة في الميه، كان حاسس كأنه بيرمي معاها سنين عمره وحزنه اللي عمره ما عرف يحكيه...
في أيام كتير، كان النهر كأنه بيتريق عليه.
الشبكة ترجع فاضية… فيفضل باصص للمية السودة كأنها مراية.
ويهمس: واضح إنك إنت كمان خسرت كل حاجة… صح؟
والنهر يرد عليه بصوته الهادي اللي عمره ما بيوقف.
في القرية، الأطفال كانوا بيسموه عم محمود بتاع النهر.
بعضهم كان يقول إنه بيكلم الأرواح.
وبعضهم يقول إن النهر مخليه عايش شفقة عليه.
أما هو…
ماكانش فارق معاه كلام الناس...كان شايف إن الميه أصدق من البشر...لكن الحقيقة…
ورا شكله القاسي كان فيه قلب جعان للحنان…
مستني معجزة عمره ما توقع إنها تيجي... واظاهر انهارده انها قررت ترجع... تمام، خلينا نكمل القصة:
عم محمود
"متخافيش، يا بنتي. أنا مش هضرّك. أنا عم محمود."
الطفلة بدأت تبكي، وعم محمود حطها على صدره، وبدأ يهزها ببطء. كان قلبه بيدق بسرعة، بس ماكنش يعرف ليه. رجع بيته، وبدأ يجهز لها حليب، ويغير لها ملابسها المبلولة. كان بيعاملها كأنه أب، رغم إنه ماكنش عنده خبرة بالأطفال.
بعد ما خلص، قعد على الكرسي، وحط الطفلة على رجليه، وقال:
"أنا مش عارف إيه اللي جابك هنا، بس أنا مش هسيبك. أنتِ في حمايتي دلوقتي."
الطفلة نامت في حضنه، وعم محمود فضل باصص لها، وكأنه بيشوف مراته أمينة في عينيها. كان قلبه بيدق بشدة، وكأنه بيدق لأول مرة.
بدأ عم محمود يفكر في اللي حصل، ومين اللي ممكن يكون رمى الطفلة في النهر. كان غضبان، بس كان عارف إنه لازم يهدى علشان الطفلة.
بعد ما نامت الطفلة، عم محمود قعد يفكر في مستقبله معاها. كان عارف إنه مش لوحده تاني، وإن فيه حد محتاج حمايته.
تان يوم، عم محمود أخد الطفلة للطبيب، علشان يتأكد إنها بخير.
عم محمود سأل الطبيب:
"مين ممكن يكون عمل كده؟"
الطبيب هز رأسه:
"مش عارف، بس اللي عمل كده مش إنسان."
عم محمود قرر إنه يراعي الطفلة، ويحميها من أي خطر. كان عارف إنه مش هيقدر يعيش لوحده تاني.
بعد فترة، عم محمود سجل الطفلة في المدرسة، وبدأ يعلمها القراءة والكتابة. كان فخور بيها، وكأنه أب حقيقي.
السنين فاتت، والطفلة كبرت، وبقت بنت جميلة. عم محمود كان عايش معاها، وكأنه عاش حياته تاني.
لكن في يوم، جات عربية سودة، ونزل منها رجال، وسألوا عن عم محمود. قالوا إنهم من الحكومة، وعايزين يأخذوا الطفلة.
عم محمود رفض، وقال:
"لا، دي بنتي. أنا مش هسيبها."
الرجال قالوا إن الطفلة مفقودة، وإن أهلها بيدوروا عليها. عم محمود قال:
"أنا مش هسيبها. دي بنتي."
الرجال أخدوا الطفلة بالقوة، وعم محمود فضل واقف، وكأنه مات. رجع بيته، وكأنه فاضي.
بعد فترة، عم محمود سمع إن الطفلة رجعت لأهلها، وإنهم كانوا بيبحثوا عنها. كان فرحان، بس كان حزين كمان.
عم محمود رجع للنهر، وقعد على الشط، وكأنه بيتكلم مع الميه:
"أنا عارف إنك رجعتها لأهلها. بس أنا كنت محتاجها.
النهر سكت، وكأنه عارف إن عم محمود محتاج وقت علشان يشفى.
النهاية